Categories
Posts

سلسلة الحياة بالإيمان

الجزء الرابع

النمو ثانياً

اليوم، نتقدم في الطريق الروحي، لندخل إلى النمو بالإيمان، فيكون لنا حياة مع المسيح، لأن بعد الإيمان وكل حسب عمره وتجربته الحياتية وقناعاته السابقة وعاداته و تقاليديه (الكثيرين يأتون بمعتقدات وعقلية أو خبرات ما قبل الأيمان ويحاولون الموائمة بينهم وبين هذا الايمان الجديد فيكون صراع او تخبط أو شك وغيره من الاعتراضات المعيقة لعمل الروح القدس في القلوب، لأن الروح القدس هو الذي يقوم دائما بمساعدتنا على النمو الروحي، ولأنه بدون الروح القدس لن نقدر أن نفعل أي شيء. إن النمو الروحي هو عملية التحول والتشكل لنصبح مثل الرب يسوع، فكي كل شيء من حولنا نستطيع ادراكه وتقييم مدى تطوره أو نموه مع مرور الزمن، أصدقائنا، مجتمعاتنا، مقتنياتنا. الخ. هل فكرت يوما بالنظر كيف يتطور ايمانك وهل هذا الايمان في حالة نمو (أفضل موسم، تقزم، جفاف، تحلل)

كيف يكون الاعتراف بالمسيح وقبوله إله ورب على قلبي وعقلي فعل نمو وما هو شكل هذا النمو؟

كيف أستطيع ملاحظة هذا النمو وادراكه!؟

  أن المسيح يدعونا للنمو الروحي لنصل للكمال النسبي، لان الكمال المطلق هو لله وحده، إنما الكمال النسبي هو الكمال الذي يستطيع الإنسان أن يصل إليه في حدود إمكانياته، ونسبة الى ما وهبه الله من نعمة ومعونة وما يحيط به من ظروف ” فكونوا انتم كاملين كما إن أباكم الذي في السماوات هو كامل”(متى 5: 48)، ونجد هذا في العهد الجديد و الأمثلة المعطاة عن النمو الروحي. مثل شجرة التين الغير مثمرة وقد أعطاها فرصة، اتركها هذه السنة فأن لم تنمو وتثمر تقطع ” فان صنعت ثمرا و إلا ففيما بعد تقطعها.”(لوقا 13: 9)ومثل الزارع ونمو كلمة الله في القلب لكى تثمر “و سقط آخر على الأرض الجيدة فأعطى ثمرا بعض مئة و آخر ستين و آخر ثلاثين ” (متى 13: 8)

إذن إن نمو روحانية الأفراد هو مسؤوليتهم الشخصية ولكن المجتمع المحيط يلعب دور إيجابي أو سلبي في التأثير على هذا النمو. هذا ونجد في مواقع متباينة أشخاصاً قد اختبروا صعوبات كثيرة بالحياة فكان لهذه الصعوبات أثراً دافعاً للبحث عن الحقيقة ومقابلة المسيح والإيمان به. فكان في إيمانهم بالمسيح خلاصهم وفي اختيارهم له حجراً للزاوية فصاروا حجارة صغيرة في كنيسة الرب يسوع المسيح، “وَلَمَّا وَصَلَ يَسُوعُ إِلَى نَوَاحِي قَيْصَرِيَّةِ فِيلِبُّسَ، سَأَلَ تَلامِيذَهُ: «مَنْ يَقُولُ النَّاسُ إِنِّي أَنَا، ابْنَ الإِنْسَانِ؟» 14فَأَجَابُوهُ: «يَقُولُ بَعْضُهُمْ إِنَّكَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ، وَغَيْرُهُمْ إِنَّكَ النَّبِيُّ إِيلِيَّا، وآخَرُونَ إِنَّكَ إِرْمِيَا، أَوْ وَاحِدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ». 15فَسَأَلَهُمْ: «وَأَنْتُمْ، مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟» 16فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ قَائِلاً: «أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ الْحَيّ ِ! «”(متى 16-13:16). أما العلاقة مع الرب والسماح لكلمته بأن تكون في العالم -الشهادة الحية للمسيح (المحبة العملية) – من خلال حياتنا بالغ الأثر في ثبات الإيمان في داخلنا وعنده فقط نستطيع أن نصمد في وجه العواصف والسيول (صعوبات الحياة واضطراباتها) ولا ننجرف خلف إلحاح العالم ومغرياته. “فَأَيُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هَذِهِ وَيَعْمَلُ بِها، أُشَبِّهُهُ بِرَجُلٍ حَكِيمٍ بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الصَّخْرِ، 25فَنَزَلَتِ الأَمْطَارُ، وَجَرَتِ السُّيُولُ، وَهَبَّتِ الْعَوَاصِفُ، فَضَرَبَتْ ذَلِكَ الْبَيْتَ، فَلَمْ يَسْقُطْ لأَنَّهُ مُؤَسَّسٌ عَلَى الصَّخْرِ. 26وَأَيُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هَذِهِ وَلا يَعْمَلُ بِها، يُشَبَّهُ بِرَجُلٍ غَبِيٍّ بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الرَّمْلِ، 27فَنَزَلَتْ الأَمْطَارُ، وَجَرَتْ السُّيُولُ، وَهَبَّتِ الْعَوَاصِفُ، فَضَرَبَتْ ذَلِكَ الْبَيْتَ، فَسَقَطَ، وَكَانَ سُقُوطُهُ عَظِيماً«.”  (متى 27-24:7)

إن في اعتراف بطرس بيسوع كإبن الله، إعلان قلبي عن إيمان بطرس الشخصي بيسوع المسيح. وهذا الأيمان هو الذي دفع بطرس إلى الثقة بالمسيح. ليكون كل اللذين آمنوا ووضعوا ثقتهم في المسيح كما فعل بطرس، الكنيسة. كنيسة يسوع المسيح “فَأَنْتُمْ قَدْ أَتَيْتُمْ إِلَيْهِ، بِاعْتِبَارِهِ الحَجَرَ الحَيَّ الَّذِي رَفَضَهُ النَّاسُ، وَاخْتَارَهُ اللهُ، وَهُوَ ثَمِينٌ عِنْدَهُ. 5إِذَنِ اتَّحِدُوا بِهِ كَحِجَارَةٍ حَيَّةٍ، مَبْنِيِّينَ بَيْتاً رُوحِيًّا، تَكُونُونَ فِيهِ كَهَنَةً مُقَدَّسِينَ تُقَدِّمُونَ لِلهِ ذَبَائِحَ رُوحِيَّةً مَقْبُولَةً لَدَيْهِ بِفَضْلِ يَسُوعَ الْمَسِيح.” (بطرس الأولى5-4:2)

إنَّ الكلمة اليونانية المرادفة لاسم بطرس هي Πέτρος, Πέτρο Petros وتعني حجر أو صخرة “وَاقْتَادَهُ إِلَى يَسُوعَ. فَنَظَرَ يَسُوعُ مَلِيًّا إِلَى سِمْعَانَ وَقَالَ: «أَنْتَ سِمْعَانُ بْنُ يُونَا، وَلَكِنِّي سَأَدْعُوكَ: صَفَا» أَيْ صَخْراً.” (يوحنا 1: 42)- صَفَا جمع صَفواء أَيْ الصخور الملساء-  ثم استخدم يسوع كلمة مشتقة منها وهي Πέτραν, Petran التي تعني “صخر بناء”. وهي نفس الكلمة التي استخدمت في متى 7: 24، 25 عندما تكلم عن الصخر الذي بنى عليه الرجل الحكيم بيته. بطرس نفسه استخدم نفس هذا التشبيه في رسالة بطرس الأولى 2: 5 λίθοι ζῶντες líthoi zóndes  و التي تعني ” الحجارة الروحية ” التي تشترك في الاعتراف بأن يسوع هو المسيح، إبن الله الحي. هذا الاعتراف بالإيمان هو ما تقوم عليه أساسات الكنيسة، والعهد الجديد يوضح تماماً أن المسيح هو أساس الكنيسة ولا شيء آخر “يَسُوعُ هَذَا هُوَ الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضْتُمُوهُ أَيُّهَا الْبُنَاةُ، وَهُوَ نَفْسُهُ صَارَ حَجَرَ الزَّاوِيَةِ الأَسَاسَ، 12وَلَيْسَ بِأَحَدٍ غَيْرِهِ الْخَلاصُ، إِذْ لَيْسَ تَحْتَ السَّمَاءِ اسْمٌ آخَرُ قَدَّمَهُ اللهُ لِلْبَشَرِ بِهِ يَجِبُ أَنْ نَخْلُصَ!» (أعمال الرسل 12-11:4). “فَلَيْسَ مُمْكِناً أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ أَسَاساً آخَرَ بِالإِضَافَةِ إِلَى الأَسَاسِ الْمَوْضُوعِ، وَهُوَ يَسُوعُ الْمَسِيحُ. ” (كورنثوس الأولى 11:3)، فالدور الأساسي هو دور المسيح وحده المسيح لأنه هو (حجر الزاوية) “وَلكِنَّهُ نَظَرَ إِلَيْهِمْ وَقَالَ: «إِذَنْ مَا مَعْنَى هذِهِ الآيَةِ الْمَكْتُوبَةِ: الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبُنَاةُ، هُوَ نَفْسُهُ صَارَ حَجَرَ الزَّاوِيَةِ؟” (لوقا 17:20)، “وَقَدْ بُنِيتُمْ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَالْمَسِيحُ يَسُوعُ نَفْسُهُ هُوَ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ الأَسَاسُ” (أفسس 20:2). نجد أن الإيمان قد بدأ بالاعتراف بالمسيح إله ومخلص، ثم بالسماح له بالتربع على عرش حياة المؤمن لتبدأ العلاقة معه، فيكون النمو بالإيمان، هو الثقة بالله (الثقة بمشيئته والثقة بعطاياه) والسماح لهذه المشيئة في أن تكون بالعالم من خلال أعمال الإنسان. “ 16إِنَّمَا أَقُولُ: اسْلُكُوا فِي الرُّوحِ. وَعِنْدَئِذٍ لَا تُتَمِّمُونَ شَهْوَةَ الْجَسَدِ أَبَداً. 17فَإِنَّ الْجَسَدَ يَشْتَهِي بِعَكْسِ الرُّوحِ، وَالرُّوحُ بِعَكْسِ الْجَسَدِ؛ وَهَذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ حَتَّى إِنَّكُمْ لَا تَفْعَلُونَ مَا تَرْغَبُونَ فِيهِ. ” (غلاطية 17-16:5). الجسد المذكور في كلمات بولس الرسول، ليس هو اللحم والدم، لأنه مكتوب: “أَمْ لَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ جَسَدَكُمْ هُوَ هَيْكَلٌ لِلرُّوحِ الْقُدُسِ الَّذِي فِيكُمُ، الَّذِي لَكُمْ مِنَ اللهِ، وَأَنَّكُمْ لَسْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ؟” (1كورنثوس 19:6). الجسد إذًا هو اسم الطبيعة الساقطة، وقد سُمّيت كذلك “الإنسان العتيق الفاسد” (أفسس 21:4)، وتعني هذه التسمية أننا ورثنا هذا الإنسان القديم (عتيق)، وسُمِّيت أيضاً الإنسان الطبيعي، “غَيْرَ أَنَّ الإِنْسَانَ غَيْرَ الرُّوحِيِّ لَا يَتَقَبَّلُ أُمُورَ رُوحِ اللهِ إِذْ يَعْتَبِرُهَا جَهَالَةً، وَلا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْرِفَهَا لأَنَّ تَمْيِيزَهَا إِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى حِسٍّ رُوحِيٍّ. ” (1كورنثوس 14:2)

الانسان الطبيعي، أي الانسان قبل الإيمان هو الذي لم يولد ثانية ولم يسكنه الروح القدس… ومن الممكن أن نجد في هذا الإنسان ضمير يشتكي ويحتج على تصرفاته الأثيمة (رومية 14:2-16). أو أن يُسكِت العالم، أوالمجتمع، أوالعائلة،…الخ صوت هذا الضمير فيصبح ضميرًا نجسًا (تيطس 15:1)، خاضعاً للأرواح المُضِلَّة، وللمعلمين الدجالين الذين كُوِيَتْ ضَمَائِرهمُ بِالنَّارِ (1تيموثاوس 1:4-2)

أما المؤمن الذي قبل المسيح، ولكن لم يسمح له بتولي مهام القيادة ولم يفسح له المجال ليعبر من خلاله حياته إلى حياة الآخرين، فهو المُخلَّص الذي وُلد ثانية، لكنه ترك لطبيعته العنان إلى أن تظهر هذه الطبيعة في تصرفاته وتسيطر عليها. وقد كتب الرسول بولس لهؤلاء المؤمنين قائلاً: “وَأَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُكَلِّمَكُمْ كَرُوحِيِّينَ، بَلْ كَجَسَدِيِّينَ كَأَطْفَال فِي الْمَسِيحِ… فَإِنَّهُ إِذْ فِيكُمْ حَسَدٌ وَخِصَامٌ وَانْشِقَاقٌ، أَلَسْتُمْ جَسَدِيِّينَ وَتَسْلُكُونَ بِحَسَبِ الْبَشَرِ؟” (1كورنثوس 1:3، 3)

أما المؤمن النامي بالإيمان فهو الذي سَمح للمسيح بالتربع على عرش حياته، متخلياً بإرادته عن كل مشيئة يأتيه بها العالم، لصالح مشيئة الله ممتلئً من الروح القدس “أَمَّا الإِنْسَانُ الرُّوحِيُّ، فَهُوَ يُمَيِّزُ كُلَّ شَيْءٍ، وَلا يُحْكَمُ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ” (1كورنثوس 15:2). وهو الذي يُصلِح من أُخِذ في زلة ما، “أَيُّهَا الإِخْوَةُ، إِنِ انْسَبَقَ إِنْسَانٌ فَأُخِذَ فِي زَلَّةٍ مَا، فَأَصْلِحُوا أَنْتُمُ الرُّوحَانِيِّينَ مِثْلَ هذَا بِرُوحِ الْوَدَاعَةِ، نَاظِرًا إِلَى نَفْسِكَ لِئَلاَّ تُجَرَّبَ أَنْتَ أَيْضًا” (غلاطية 1:6)

ومن الممكن أن يسقط المؤمن النامي وهذا عندما تبقى فيه الطبيعة الساقطة، وقد تظهِر أعمالها حين يمرّ في لحظة إهمال. فبطرس الرسول ظهرت فيه أعمال الطبيعة الساقطة، “ وَلكِنَّهُ بَدَأَ يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ: «إِنِّي لَا أَعْرِفُ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي تَتَحَدَّثُونَ عَنْهُ«.” (مرقس 71:14). أنكر بطرس معرفته بالمسيح بضغط الطبيعة الساقطة ولأنه أعتقد أنه بهذا يحفظ حياته. فالإعلانات السماوية لا تعصم المؤمن عن الخطأ، أو السقوط، كما أن النمو في الإيمان لا ينفي وجود الطبيعة الساقطة فينا. وعلينا أن نعرف أن هناك وسائل لإماتة أعمال الطبيعة الساقطة، أما الطبيعة الساقطة نفسها فتبقى فينا حتى الموت

وربما يكون سؤال حالنا كيف لنا أن نميت أعمال هذه الطبيعة الساقطة المتوطنة فينا؟

إن إماتة أعمال الجسد ممكنة عندما نعطي السيادة الكاملة للروح القدس على حياتنا ” لأَنَّهُ إِنْ عِشْتُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَسَتَمُوتُونَ، وَلكِنْ إِنْ كُنْتُمْ بِالرُّوحِ تُمِيتُونَ أَعْمَالَ الْجَسَدِ فَسَتَحْيَوْنَ” (رومية 13:8). فالروح القدس يميت أعمال الجسد ولا يميت الجسد، وهنا لا بد أن يطلب المؤمن الملء بالروح القدس لينتصر على أعمال الجسد، والملء بالروح القدس يتكرّر. فبولس الرسول امتلأ بالروح القدس حين التقى بحنانيا “فَذَهَبَ حَنَانِيَّا وَدَخَلَ بَيْتَ يَهُوذَا، وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى شَاوُلَ وَقَالَ: «أَيُّهَا الأَخُ شَاوُلُ، إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ، الَّذِي ظَهَرَ لَكَ فِي الطَّرِيقِ الَّتِي جِئْتَ فِيهَا، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ لِكَيْ تُبْصِرَ وَتَمْتَلِئَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ». 18وَفِي الْحَالِ تَسَاقَطَ مِنْ عَيْنَيْ شَاوُلَ مَا يُشْبِهُ الْقُشُورَ، فَأَبْصَرَ، ثُمَّ قَامَ وَتَعَمَّدَ. 19وَتَنَاوَلَ طَعَاماً فَاسْتَعَادَ قُوَّتَهُ وَبَقِيَ بِضْعَةَ أَيَّامٍ مَعَ التَّلامِيذِ فِي دِمَشْقَ« (اعمال 19-17:9)، فالمؤمن الذي يريد النصرة على أعمال الجسد عليه أن يعطي السيادة الدائمة للروح القدس مضحيًا بكل ما يعيق هذا الملء في حياته. قانون الجاذبية، قانون ثابت، ولكن الطائرة تطير لا بإلغاء هذا القانون، بل بوجود قوة داخلها تجعلها ترتفع وتطير رغم وجود هذا القانون، ” وَأَمَّا أَنْتُمْ، فَلَسْتُمْ تَحْتَ سُلْطَةِ الْجَسَدِ بَلْ تَحْتَ سُلْطَةِ الرُّوحِ، إِذَا كَانَ رُوحُ اللهِ سَاكِناً فِي دَاخِلِكُمْ حَقّاً. وَلكِنْ، إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ، فَهُوَ لَيْسَ لِلْمَسِيحِ.” (رومية 9:8 ). وقوة الروح القدس في المؤمن تعطيه نصرة ليرتفع على أعمال الطبيعة الساقطة

وبعد إعطاء السلطة الكاملة في حياتنا للروح القدس، يستطيع أن يحسب المؤمن نفسه ميتًا عن الخطية ” كَذلِكَ أَنْتُمْ أَيْضًا احْسِبُوا أَنْفُسَكُمْ أَمْوَاتًا عَنِ الْخَطِيَّةِ، وَلكِنْ أَحْيَاءً ِللهِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. إِذًا لاَ تَمْلِكَنَّ الْخَطِيَّةُ فِي جَسَدِكُمُ الْمَائِتِ لِكَيْ تُطِيعُوهَا فِي شَهَوَاتِهِ، وَلاَ تُقَدِّمُوا أَعْضَاءَكُمْ آلاَتِ إِثْمٍ لِلْخَطِيَّةِ، بَلْ قَدِّمُوا ذَوَاتِكُمْ للهِ كَأَحْيَاءٍ مِنَ الأَمْوَاتِ وَأَعْضَاءَكُمْ آلاَتِ بِرّ ِللهِ”. (رومية 11:6-13). لأن الطبيعة الساقطة يمكنها أن تستخدم أعضاء الجسد وعلى المؤمن أن يحسب نفسه ميتًا عن الخطية فلا يستخدم أعضاء جسده في الشر. لأنه عندما آمن بالمسيح وأعتمد فهو قد مات عن نفسه معتبرًا أنه صُلب مع المسيح ” وَلكِنَّ الَّذِينَ هُمْ لِلْمَسِيحِ قَدْ صَلَبُوا الْجَسَدَ مَعَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ” (غلاطية 24:5). ليكون في إقامته حياة مع المسيح ” مَعَ الْمَسِيحِ صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لاَ أَنَا، بَلِ الْمَسِيحُ يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآنَ فِي الْجَسَدِ، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإِيمَانِ، إِيمَانِ ابْنِ اللهِ، الَّذِي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِي” (غلاطية 20:2). هكذا لن يكون في قلب المؤمن مكانًا للإثم ( الشر) “إِنْ رَاعَيْتُ إِثْمًا فِي قَلْبِي لاَ يَسْتَمِعُ لِيَ الرَّبُّ” (مزمور 18:66). ويالها من غربة عندما ينقطع الاتصال بيننا و بين موجدنا

إذاً بعد كل الذي سبق، كيف أستطيع ملاحظة النمو بالإيمان وادراكه؟

المؤمن النامي بالإيمان ينمو في كل عناصر الحياة الروحية النمو، فهو ينمو في معرفة الله كما إن النفس تحتاج الى كل ما هو ضروري لمعيشتها، هي أيضا تحتاج الى الارتباط بالله والاتحاد معه حتى تتقبل منه ومن خلاله كل ما هو ضروري لدوام حياتها الروحية ونموها “مثمرين في كل عمل صالح و نامين في معرفة الله.” (كولوسي 1: 10)

كما ينمو أيضاً في الفضيلة إن نقصان الفضيلة يسد الطريق أمام نعمة المسيح فيعطل سريانها فينا. “بل صادقين في المحبة ننمو في كل شيء الى ذاك الذي هو الرأس المسيح” (افسس 4 :  15) لأن الله يكافأ الإنسان بقدر ما يكون الدافع لأعماله هو تبكيت الروح و التواصل مع الرب فقط ولا شيء آخر” أَمَّا أَنْتَ، فَعِنْدَمَا تُصَلِّي، فَادْخُلْ غُرْفَتَكَ، وَأَغْلِقِ الْبَابَ عَلَيْكَ، وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. وَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ، هُوَ يُكَافِئُك” (متى 6:6) وأيضاً مرة أخرى “ لِكَيْ لَا تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِماً، بَلْ لأَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. وَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ، هُوَ يُكَافِئُكَ”(متى 18:6)

أما النمو في الخدمة فهو التطبيق العملي للحياة المبذولة في الشركة مع الرب، ليس الشراكة بموته و قيامته بل الشركة في خدمته وهى أسمى حياة يمكن أن يحيها انسان على الأرض “بالمحبة اخدموا بعضكم بعضا” (غلاطية 5 : 13) لا تدعوا يوما يمر دون أن تمدوا يد المحبة لشخص ما بعيد وتائه عن الله، قدموا ولو مجرد ملاطفة ، رسالة ، زيارة ، ساعدوا بطريقة ما وعن إدراك النمو بالإيمان فهو من ظهور ثماره الحقيقية في حياة المؤمن النامي بالرب يسوع المسيح، كما إن الشجرة التي تنمو تثمر، كذلك النمو الروحي يعرف بظهور ثمار الروح ” وأما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام طول أناة لطف صلاح إيمان وداعة تعفف”(غلاطية 5 :22). وهذه الثمار معطية للمؤمنين ليس بالاستحقاق بل بالنعمة

وهذا ما يمكن المؤمن من التعرف على المسيح معرفة كاملة ليست معرفته فقط ك إله صاحب السلطان المخلص من الخطية مجاناَ، بل معرفة كونه مصدر الحكمة والمحبة، والقائد من خلال روحه القدوس في حياة المؤمنين الأمناء، ” انموا في النعمة ومعرفة ربنا ومخلصنا يسوع المسيح” (بطرس الثانية 3: 18)

وختاماً لنعمل جاهدين لمحبة كل موجودات هذا الكون وكل عناصره، محبة قلبية، محبة حقيقة، محبة صافية نقية تليق بالمدعوين أبناء ” أَمَّا مَنْ لَا يُحِبُّ، فَهُوَ لَمْ يَتَعَرَّفْ بِاللهِ قَطُّ لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ! ” (رسالة يوحنا الأولى 8:4 ) لنصلي شكراً ونصلي فرحاً صابرين في الضيقات ممتلئين بهجةً بالرجاء بربنا يسوع المسيح

  

Categories
Posts

سلسلة الحياة بالإيمان

الجزء الثالث

الولادة أولاً

كل شيء من حولنا يتغير بلادنا، أصدقائنا، مجتمعاتنا. الخ ولا أحد منا يمكنه إيقاف او تغير اتجاه أو تفاصيل أو شكل تلك المتغيرات إلا إذا تغيرنا نحن عند ذلك سوف يكون بإمكاننا أن نغير ما حولنا ( لو تغيرت روحانيات الأفراد و بالتالي روحانيات المجتمع ومن المؤكد أن الواقع سوف يتغير أيضاً ) هذا ونجد في مواقع متباينة أشخاصاً قد اختبروا الحياة وأبحروا في ثناياها حتى مرحلة ما ثم اختاروا المسيح (المعلم، المُخلص، الخ) ولكن وجدوا في هذا الاختيار تعارضاً جوهرياً مع مبادئهم أو أفكارهم وهذا يجعلهم فريسة لإرادة الشر الساكنة في القلوب المتحجرة (اعلم ما هو الصواب ولكن شيء ما في داخلي يدفعني لفعل عكس ذلك الصحيح الذي أدركته) وغالباً ما يتم تجاهل ما تم إدراكه بالعقل “لأفكار العقلية” لصالح ذلك الدافع الداخلي المقاوم.

يتعذر فهم هذا! كيف لإنسان عاقل أن يعرف سُبل الصواب ولا يمضي فيها، غريب هو هذا الإنسان الذي رسم منطقه الخاص واستحسنه جاعلاً في مغالطاته المنطقية فرحه وسعادته.

هل يعطي الخالق الإنسان عقل يطرح الأسئلة ويمنع عنه الجواب؟

هل يجب على المؤمن أن يلغي دور عقله؟ ما هو عالمنا، أو بصورة أبسط ما هو الوقت؟

كيف يمكن أن يملك إنسان عقل ميزه بين الموجودات ويعمل على تعطيله، لنكن واقعيين إننا نعيش في هذا العالم وإن النظرة العالمية الحالية تقدم إجابات عن تلك الأسئلة التي تدور في عقول الكثير ِمنّا (من نحن من أين أتينا؟) ولكن السؤال الأخير (ما هو الوقت؟) هل تتوقع أن تجد جواباً علمياً عن هذا السؤال في الكتاب المقدس ( قد حاول كثيرون أثبات حقائق علمية مكتشفة حديثاً من خلال نصوص أثرية لإثبات أن ما بين أيديهم هو من عند الخالق) و بالطبع قد بائت كل هذه المجهودات بالفشل رغم شعبيتها) ذلك لأنها من أقوى أسباب تشويه المفاهيم الصحيحة المكتشفة بمقتضى العقل -مناهج البحث العلمي– فيأتي مناصرين تلك الفكرة من مختلف العقائد إلى اضطهاد معارضيهم بصفتهم العارفين بالله دوناً عن غيرهم ويمنعون السؤال بل حتى قد يحرمونه بموجب القوانين و التشريعات وهذا نابع من قناعة داخليه بوجوب حفظ الموروث لأن فيه وجودهم وتسلطهم.

إن وجود العقل حقيقة وإن السؤال هو من منتجات هذا العقل والايمان لا يعارض هذه الحقيقة بل يتفق معها ونجد هذا في الموضوع الرئيسي للمقطع الصغير والغامض إلى حد في “نُبُوءَةٌ بِشَأْنِ أَدُومَ: هَتَفَ صَارِخٌ مِنْ سَعِيرَ: «يَا رَقِيبُ، مَاذَا بَقِيَ مِنَ اللَّيْلِ؟ أَمَا آنَ لَهُ أَنْ يَنْتَهِيَ؟ 12 «فَأَجَابَ الرَّقِيبُ: «أَشْرَقَ الصُّبْحُ وَلَكِنَّ اللَّيْلَ أَقْبَلَ مَعَهُ، فَإِنْ رَغِبْتُمْ فِي السُّؤَالِ فَاسْأَلُوا، ثُمَّ تَعَالَوْا وَارْجِعُوا إِلَى اللهِ«”(أشعياء 12-11:21). في أي وقت، إذن، تتساءل أمة أدوم؟  نقرأ على وجه التحديد “ماذا بقي من الليل، إلى متى ستدوم الليلة؟ “أما آن له أن ينتهي “لفهم السؤال، يجب أن ننظر إليه فيما يتعلق بالآيات السابقة:

“ثُمَّ هَتَفَ الرَّقِيبُ: هَا أَنَا أَقِفُ عَلَى بُرْجِ الْمُرَاقَبَةِ يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ أَيُّهَا الرَّبُّ، وَأَقُوْمُ عَلَى الْمَحْرَسِ طَوَالَ اللَّيْلِ. 9فَهَا رَكْبٌ قَادِمٌ، فُرْسَانٌ أَزْوَاجٌ أَزْوَاجٌ. فَأَجَابَ: سَقَطَتْ سَقَطَتْ بَابِلُ وَتَحَطَّمَتْ سَائِرُ أَصْنَامِهَا عَلَى الأَرْضِ”(أشعياء 9-8:21).

إذن السؤال عن ازمة بابل، ثم يسأل سكان سعير، أي الأدوميين، المراقب (الحارس) “هل حان الوقت بعد؟”  هل انتهى الليل؟  هل هو بزوغ الفجر؟ في إشارة هنا إلى نير بابل “الليل” وما يعقبه سيكون فجر حريتهم، وكان الجواب ليس بعد ولكن اسأل مرة أخرى لاحقًا. ماذا تعني هذه الكلمات لنا؟

نجد هنا تحذير من أنًّ الليل ثابت ودائم. وأنه من الممكن أن يستمر لفترة أطول مما نعتقد أو نرغب. هل حقاً هذا ممكن، أن يستمر الليل ويتأخر الفجر؟!  إن الصياغة في الأصل العبري أكثر إيحاءً: “الفجر قادم ولكن الليل أيضًا”.  بعبارة أخرى، في مفهوم هذا العالم وفي سياق التاريخ البشري، حتى ولو مرت ليلة واحدة، ستأتي ليلة أخرى عاجلاً أم آجلاً. 

 إذا غادر الآشوريون فلا يفرحون، سيأتي البابليون.  وإذا غادروا، سيأتي الفرس، إلخ، إلخ. ومع ذلك، فإن المراقب (الحارس) يرد قائلاً “إذا كان عليك أن تسأل، فاسأل”.  أي لا تتوقف عن السؤال. وأعتقد أن هذا مهم للغاية.  أي يجب ألا نتوقف عن السؤال عن الفجر، ولا نتوقف عن الأمل وانتظار اليوم، ولكن لنعرف أن الإجابة ليست في عمليات التاريخ البشري. أو في التطورات الجيوسياسية لهذا العالم (ليلة تلو الأخرى).

هل يجب أن يأتي الحل من مكان آخر!  لكن من أين؟ نقرأ أدناه في الكتاب “مَا أَجْمَلَ عَلَى الْجِبَالِ وَقْعَ قَدَمَيِ الْمُبَشِّرِ الَّذِي يُذِيعُ سَلاماً وَيَنْشُرُ بَشَائِرَ الْخَيْرِ، الْقَائِلِ لِصِهْيَوْنَ: قَدْ مَلَكَ إِلَهُكِ! 8هَا رُقَبَاؤُكِ قَدْ رَفَعُوا صَوْتَهُمْ مَعاً وَشَدَوْا بِفَرَحٍ، لأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عَيَاناً رُجُوعَ الرَّبِّ إِلَى صِهْيَوْنَ” (أشعياء8-7:52). بشائر الخير هي الإنجيل لأنه يخبرنا أن مالا يمكن للتاريخ البشري أن يأتي به أو الحاضر أن يخلقه سوف يأتي به مع مجيء الرب. إنًّ الرب قد أتى بالفعل وها هو النهار يغزو الليل، ليكون المستقبل ليس امتدادًا للحاضر بل يكون شيئاً جديد فقد أتى الرب إليه وحوله. لذا، ونحن نعيش في الليل، دعونا لا نتوقف عن التساؤل “متى يأتي النهار؟”  مهما كان الليل عميقًا، لنتذكر أن “الفجر سيأتي”!

لابد من أن نكون واقعيين عند طرح هكذا نوع من الأسئلة حيث أنه يوجد خلاف في وجهات النظر وهذا ليس بسبب بنية الإيمان ولكن هو اختلاف في تعيين هويّة الإنسان وتعيين هويّة العقل. ومن ثمّ، فإنّ تنوّع السبُل التي ترسّم طبيعة الإنسان العقليّة هو الذي يُفضي إلى تنوّع المواقف وعدم جود انسجام بين معرفة الصواب والرغبة القلبية الدافعة في الاتجاه المعاكس. وهناك من يوافق على ضرورة وجود روحانيات دون أي سؤال وجودي. أو نجد أشخاص يعادون الروحانيات وقد تصل بهم الأمور الى تجاهل تلك الروحانيات في أفضل الحالات (أنا سعيد بروحانياتك ومتعجب منها بس روحانياتك هذه لا يمكن أن تشتغل معي. أنا عندي أشياء أخرى تفرحني تسعدني وتعطيني سلام داخلي ” خليك بروحانياتك واتركني بحالي”). وقد يجوز تصنيف هذه المواقف الثلاثة في مقاربات وصفيّة، أولى مقولة التصارع والتنابذ، والثانية مقولة التطابق والتماهي، أما الثالثة فهي مقولة التمايز والتكامل. وللعلم إنه ومن وراء كلّ مقاربة من هذه المقاربات إدراكٌ ضمنيٌّ للعقل في أصله ونشأته وطبيعته ومقامه ووظيفته وحقل معرفته وحدود صلاحيّته.

اذاً علينا التّمييز بين طبيعة العقل ووظيفة العقل

العقل من حيث طبيعتُه ملكةٌ في الإنسان تؤهّله للإدراك والتنظيم والتنسيق والرّبط والحساب. وتخالف هذه الملكةُ ملكةَ العاطفة المبنيّة على حركة الهوَى والشّعور والقلب. ووفاقـًا لهذا يتجلّى العقلُ من حيث طبيعته بنيةً مجرّدة من المبادئ والأطر والقواعد التي يسلك فيها ويتّسق وينتظم الاختبار المعرفيّ المبنيّ على التحرّي والتقصّي والتحليل والاستخراج.

العقل من حيث وظيفته وعمله وأدائه، فترسم أنّ العقل مفطور على إدراك معاني الوجود، وعلى ربط هذه المعاني بعضها ببعض، وعلى بنيان العمارة المعرفيّة الإنسانيّة، وعلى استخراج قواعد الأحكام واستنباط سنن المسلك. ولذلك ارتبط العقلُ منذ تفتّح الفكر اليونانيّ بصورة الكلام المتّزن، المتّسق، المنتظم، القابل للفهم والإدراك، المعبّر عن سمة الوجود المنطقيّة وقابليّة هذا الوجود بعينه للانتظام في مقولات الإدراك العقليّ.

فإذا تبيّن أنّ العقل هو في منتهى قوامه سبيلٌ إلى المعرفة، فإنّ الإيمان هو بالأحرى موقف ذاتيّ شامل يقفه الإنسانُ المؤمن من الوجود في روح من الإخلاص والأمانة والثقة.

وهنا نجد أن هذا العقل نعمة ويجب أن نشكر الله عليها (أشكر الله على هذا العقل المشكك الذي يناقش بالمُسلَّمات ويتجرأ على كل العقائد التي تربيت عليها). نعم اشكر الله على عقلك واترك السؤال يشتعل وأبحث عن أجوبة لهذه الأسئلة دون إهمال مقصر أو كسل جاهل. فالعقل الباحث عن الحقيقة هو العقل المساعد على دحض كل خرافة، حيث أن البحث والسؤال والمناقشة حق إنساني مكفول ويستحيل ان يعطي الخالق خلقه عقولاً للتفكير ويمنع عنهم الإجابة.

هنا يمكننا أن نبني على صلة تربط بين العقل والإيمان حيث أن العقلانيّة الإلهيّة كاملة والعقلانيّة الإنسانيّة باحثة عن الكمال. فالإنسان المؤمن العاقل يعاين بالبصر الإيمانيّ كل ما هو موجود في حضن الحبّ الإلهيّ المعطى “إِنَّ اللهَ، بِقُدْرَتِهِ الإِلَهِيَّةِ، قَدْ زَوَّدَنَا بِكُلِّ مَا نَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي الْحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ الْمُتَّصِفَةِ بِالتَّقْوَى. ذَلِكَ أَنَّهُ عَرَّفَنَا بِالْمَسِيحِ الَّذِي دَعَانَا إِلَى مَجْدِهِ وَفَضِيلَتِهِ، 4اللَّذَيْنِ بِهِمَا أَعْطَانَا اللهُ بَرَكَاتِهِ الْعُظْمَى الثَّمِينَةَ الَّتِي كَانَ قَدْ وَعَدَ بِها. وَبِهَذَا صَارَ بِإِمْكَانِكُمْ أَنْ تَتَخَلَّصُوا مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي تَنْشُرُهُ الشَّهْوَةُ فِي الْعَالَمِ، وَتَشْتَرِكُوا فِي الطَّبِيعَةِ الإِلَهِيَّةِ.”(بطرس الثانية 4-3:1) ونجد هذا في تصريح بطرس الرسول في رسالته الثانية عن القدرة الإلهيّة في تحريّض أبناء البشر على التحرّر من فساد الخطيئة ليصيروا شركاءَ في الطبيعة الإلهيّة. هذه الشركة على معنَى تصميمُ الله في إشراك الإنسان في حياته الإلهيّة -الأبناء يفعلون أفعال تليق ببنوتهم-، وعلى معنى أن كل الإمكان المقبل سوف يرعاه الإنسانُ بفعل الحريّة الموهوبة له. ونجد هذا في إنجيل يوحنّا الذي يُعلن في مستهلّ شهادته أنّ الكلمة الإلهيّ هو في أصل الوجود وفي مسرَى الوجود وفي غاية الوجود: “فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ. وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهُ. 2هَذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللهِ. 3بِهِ تَكَوَّنَ كُلُّ شَيْءٍ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَتَكَوَّنْ أَيُّ شَيْءٍ مِمَّا تَكَوَّنَ.” (يوحنا 3-1:1) فالكلمة هو العقل الإلهيّ الذي به وفيه ومنه قوامُ كلّ الموجودات، وهذا هو بالفعل ما أعلنه بولس الرسول في رسالته “بِغَرَضِ أَنْ تَتَشَجَّعَ قُلُوبُهُمْ وَتَكُونَ كُلُّهَا مُتَّحِدَةً فِي الْمَحَبَّةِ، لِبُلُوغِ الإِدْرَاكِ التَّامِّ بِكُلِّ غِنَاهُ، لِمَعْرِفَةِ سِرِّ اللهِ، أَيِ الْمَسِيحِ، 3الْمَخْزُونَةِ فِيهِ كُنُوزُ الْحِكْمَةِ وَالْمَعْرِفَةِ كُلُّهَا”(كلوسي 3-2:2).وفي نصّ التالي نستكشف ثلاثة عناصر عقلانيّة في الوجود،: ” لأَنَّ هَكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ خَالِقُ السَّمَاوَاتِ، إِنَّهُ اللهُ مَكَوِّنُ الأَرْضِ وَصَانِعُهَا، وَمُرْسِي قَوَاعِدِهَا: لَمْ يَخْلُقْهَا لِتَكُونَ خَوَاءً، بَلْ لِتُصْبِحَ آهِلَةً بِسُكَّانِهَا. أَنَا هُوَ الرَّبُّ وَلَيْسَ هُنَاكَ آخَرُ.”(أشعيا 18:45).

عقلانيّة في ثنايا الخلق لأنّ للوجود معنًى يناقض الفراغ والخواء والعبث

عقلانيّة الكلام البشريّ يعضده وضوحُ الكلام الإلهيّ الذي لم يعتلن في موضع مظلم من الأرض 

عقلانيّة استقامة المسلك البشريّ النابع من حرية الاختيار (اختيار قائد للحياة)

أما عن محاولات توصيف العقلانيّة الإلهيّة والعقلانيّة الإنسانيّة، نجد مقاربة بولس الرسول “لأَنَّ الْبِشَارَةَ بِالصَّلِيبِ جَهَالَةٌ عِنْدَ الْهَالِكِينَ؛ وَأَمَّا عِنْدَنَا، نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ، فَهِيَ قُدْرَةُ اللهِ.”(كورنثوس الأولى 18:1) وعلى الرغم من أن كلام الصّليب عند الهالكين جهالة. ينسب إلى الصّليب حكمة خطاب العقلانيّة الإلهيّة ومنتهى تجلّي الحبّ الإلهيّ، وهذا يدرك معناه أهلُ الخلاص. أي جميعُ الذين اعترفوا وسلكوا، وليست الجهالةُ في هذا السّياق نقصًا في المعرفة، بل رفضٌ حرٌّ لمعقوليّة الفكرة ومنطقها. ولا غرابة، من ثمّ، أن يكون للصّليب عقلانيّةٌ هي العقلانيّة الإلهيّة، وقد أُسنِد إلى العقل الإنسانيّ واجبُ التبحّر في معانيها لان السؤال العميق يقربني من الله لأن إنسانيتي سوف تدفعني للبحث عن الحقيقة.

فلا تعارض بين العقلانيّة الإلهيّة والعقلانيّة الإنسانيّة، بل أن الفكر ينشط بين العقل والإيمان حتّى ليغدو العقلُ عقلَ الإيمان والإيمانُ إيمانَ العقل. فحين يحرّض بولس الكورنثيّين على إنشاء خطابٍ في الرّوح يقوَى الوثنيّون على إدراكه إدراكًا عقليًّا، وهو خطاب الصّلاة التي ترفعها الجماعة الملتئمة بتدبير الكلمة الإلهيّ الحاضر في وسطها، وحين يحثّ بطرس في رسالته الأولى جميعَ شهود الإنجيل على الإجابة العقليّة عن الرجاء الذي يحيون فيه، فإنّ الاختبار الإيمانيّ في أعمق دلالاته الرّوحيّة يصبح هو بعينه قابلاً للإبلاغ عنه لأنّه سبق واكتسى حلّة الخطاب العقليّ الإنساني المبنيّ على عقلانيّة الكلمة الإلهيّ. وحقيقةُ الأمر أنّ الكلمة (الله) هو أصل العقلانيّة وفي اغلب الأحيان لا نستطيع إدراك هذه الحقيقة. (عندما صرخ ارخميدس وجدتها! وجدتها! لأنه أدرك أن الماء انسكب خارج مغطسة لحظة دخوله فيه بسبب وزنه (قوة الهبوط) وأن الطفو اذن هو (قوة الصعود) وهنا تمكن من قياس كثافة أو حجم الجسم وهو عالم الرياضيات و الفلك فاستنبط قانون الإزاحة أو الطفو) فكم من شخص قد رأى ولم يدرك ما رأى) ويكون التفكّر العقليّ الإنساني هو من صلب المسعَى الإيمانيّوهو الذي يقي المؤمن مخاطر التشبّث المتحجّر بعناصر المقاربة النّسبيّة في تحديد الهويّة الدينيّة، لأن هذه الهوية هي ثمرة تفاعل حرّ بين ما انكشف من كلام الله في تاريخ الوعي الإنسانيّ وما أتاحته ثقافات الأجيال الإنسانيّة المتعاقبة من مقولات الإصغاء والتجاوب والالتزام الإنسانيّين.

يسأل سائل هل يوجد من يرى طريق الصواب ويدركه ويسير عكسه، نعم يا إخوتي في الكتاب المقدس عدد من الأمثلة على هذا ولنستذكر معاً نيقوديموس من إنجيل يوحنا تحديداً، نعم نيقوديموس الفريسي* والذي كان عضواً في السنهدريم.

­­­­

(كان في كل مدينة سنهدريم، يقوم بدور “المحاكم الإبتدائية”. حيث كان متاحاً للأمة اليهودية قدر من الحكم الذاتي تحت الحكم الروماني في زمن المسيح، وكان السنهدريم الكبير في أورشليم هو المحكمة النهائية في الأمور المتعلقة بالناموس والديانة اليهودية. وكان هذا المجلس هو الذي أدان المسيح في النهاية، ولكن كان عليهم الذهاب إلى بيلاطس لكي يعتمد الحكم الذي أصدروه حيث كان حكم الموت خارج صلاحياتهم القضائية في ظل القانون الرومان.”غَيْرَ أَنَّ إِنْسَاناً مِنَ الْفَرِّيسِيِّينَ، اسْمُهُ نِيقُودِيمُوسُ، وَهُوَ عُضْوٌ فِي الْمَجْلِسِ الْيَهُودِيِّ، 2جَاءَ إِلَى يَسُوعَ لَيْلاً وَقَالَ لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ جِئْتَ مِنَ اللهِ مُعَلِّماً، لأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَعْمَلَ مَا تَعْمَلُ مِنْ آيَاتٍ إِلّا إِذَا كَانَ اللهُ مَعَهُ. «(يوحنا3-2:3) أدرك نيقوديموس أن الله مع المسيح بعد أن رأى من آياته وهو الذي جاء ليلاً لكي يتحدث معه ويطرح عليه الأسئلة عن ملكوت الله “فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: لَا أَحَدَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللهِ إِلّا إِذَا وُلِدَ مِنْ جَدِيدٍ « 4 فَسَأَلَهُ نِيقُودِيمُوسُ:

* كان الفريسيون جماعة من اليهود المتزمتين في التمسك بحرفية الناموس وكثيراً ما كانوا يقاومون المسيح في خدمته. وقد انتقدهم المسيح كثيراً
لَكِنِ الْوَيْلُ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُنَافِقُونَ! فَإِنَّكُمْ تُغْلِقُونَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ فِي وُجُوهِ النَّاسِ، فَلا أَنْتُمْ تَدْخُلُونَ، وَلا تَدَعُونَ الدَّاخِلِينَ يَدْخُلُونَ! “(متى 13:23).

«كَيْفَ يُمْكِنُ الإِنْسَانَ أَنْ يُولَدَ وَهُوَ كَبِيرُ السِّنِّ؟ أَلَعَلَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَدْخُلَ بَطْنَ أُمِّهِ ثَانِيَةً ثُمَّ يُولَدَ؟»5 «أَجَابَهُ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: لَا يُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مَلَكُوتَ اللهِ إِلّا إِذَا وُلِدَ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ. 6فَالْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ هُوَ جَسَدٌ، وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ. 7فَلا تَتَعَجَّبْ إِذَا قُلتُ لَكَ إِنَّكُمْ بِحَاجَةٍ إِلَى الْوِلادَةِ مِنْ جَدِيدٍ«. (يوحنا 7-3:3) كما يبدو انه لم يفهم كلام الرب عن الولادة من جديد فرد متهكماً كيف لكبير سن أن يعود إلى بطن أمه ليولد من جديد وهذا هو لسان حال من اخذ كل شيء بحرفية عمياء، يقول يسوع أنت تريد أن تعرفني؟ كيف يمكنك رؤيتي وانت أعمى لأن الذي لم يولد ولادة ثانية لن يتمكن من رؤية ملكوت السماوات. الولادة أولاً ثم الرؤية. “وَرَجَعَ حُرَّاسُ الْهَيْكَلِ إِلَى الْفَرِّيسِيِّينَ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ، فَسَأَلُوهُمْ: «لِمَاذَا لَمْ تُحْضِرُوهُ؟» 46فَأَجَابُوا: لَمْ نَسْمَعْ قَطُّ إِنْسَاناً يَتَكَلَّمُ بِمِثْلِ كَلامِهِ« 47فَرَدُّوا غَاضِبِينَ: «وَهَلْ ضَلَلْتُمْ أَنْتُمْ أَيْضاً؟ 48أَرَأَيْتُمْ أَحَداً مِنَ الرُّؤَسَـاءِ أَوْ مِنَ الْفَرِّيسِـيِّينَ آمَنَ بِهِ؟ 49أَمَّا عَامَّةُ الشَّـعْبِ الَّذِينَ يَجْهَـلُونَ الشَّـرِيعَةَ، فَاللَّعْنَةُ عَلَيْهِمْ 50 «!  وَلَكِنَّ وَاحِداً مِنْهُمْ، وَهُوَ نِيقُودِيمُوسُ الَّذِي كَانَ قَدْ جَاءَ إِلَى يَسُوعَ لَيْلاً، 51قَالَ لَهُمْ: «أَتَسْمَحُ شَرِيعَتُنَا بِأَنْ يُحْكَمَ عَلَى أَحَدٍ دُونَ سَمَاعِ دِفَاعِهِ أَوَّلاً لِمَعْرِفَةِ ذَنْبِهِ؟52«  فَأَجَابُوهُ: «أَلَعَلَّكَ أَنْتَ أَيْضاً مِنَ الْجَلِيلِ؟ ادْرُسِ الْكِتَابَ تَعْلَمْ أَنَّه لَمْ يَطْلُعْ قَطُّ نَبِيٌّ مِنَ الْجَلِيلِ «! 53ثُمَّ انْصَرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى بَيْتِهِ. (يوحنا 53-45:7). وبَّخ الفريسيون الحراس ولكن نيقوديموس وبعد أن قابل المسيح اقترح عليهم أنه لا يجب ترك المسيح ولا إدانته دون أن يسمعوه شخصياً ولكن رفضوا هذا لأنه مصرين على أنه لم يطلع نبي من الجليل. أما المرة الأخيرة التي ذكر فيها نيقوديموس في الكتاب المقدس هي بعد صلب المسيح “وَجَاءَ أَيْضاً نِيقُودِيمُوسُ الَّذِي كَانَ قَدْ أَتَى مِنْ قَبْلُ إِلَى يَسُوعَ لَيْلاً، وَأَحْضَرَ مَعَهُ حَوَالَيْ ثَلاثِينَ لِتْراً مِنْ طِيبِ الْــمُرِّ الْـمَخْلُوطِ بِالْعُـــودِ. 40فَأَخَذَا جُـثْمَانَ يَسُــوعَ وَلَفَّاهُ بِأَكْفَانٍ مَعَ الـطِّيبِ، كَـمَا كَـانَتْ عَـادَةُ الْيَهُودِ فِي الـدَّفْن. (يوحنا 40-39:19) وأحضر نيقوديموس 30 لتراً من مزيج المر والعود لإعداد الجسد للدفن، ثم ساعد يوسف في تكفين الجسد ووضعه في القبر. وتدل كمية المر والعود المستخدمة في الإعداد للدفن أن نيقوديموس كان رجلاً ثرياً وأنه كان يكن احتراما عظيماً للمسيح، هل يكفي أن نحترم المسيح ونحاول التعلم منه دون الإيمان القلبي والعقلي به؟!. نيقوديموس سمع عن المسيح، رأى آياته، أدرك أنه من الله، سئل أسئلة، آمن بعقله مصدقاً وعد الله المعلن مدركاً كيف يأكل المسـيح فلا يجـوع ولا يعطش “فَأَجَابَهُـمْ يَسُـوعُ: «أَنَا هُوَ خُـبْزُ الْـحَيَاةِ. فَالَّـذِي يُقْبِـلُ إِلَيَّ لَا يَجُـوعُ، وَالَّذِي يُـؤْمِنُ بِي لَا يَعْطَـشُ أَبَداً « (يوحنا 6:35). ويسهل إدراك هذا عند كل من يُعمل العقلانية الإنسانية بمقتضى العقلانية الإلهية ومن يعجز عن ذلك فليعلم أن عيناه مغلقتان بسبب الحسيَّات والأديان ويحتاج ان يجتهد في البحث عن مواطن الخطأ والتشويش الذي تعرض له “أَمَّا الَّذِي لَا يَمْلِكُ هَذِهِ الصِّفَاتِ، فَهُوَ أَعْمَى رُوحِيًّا. إِنَّهُ قَصِيرُ الْبَصَرِ، قَدْ نَسِيَ أَنَّهُ تَطَهَّرَ مِنْ خَطَايَاهُ الْقَدِيمَةِ! 10فَأَحْرَى بِكُمْ إِذَنْ، أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَنْ تَجْتَهِدُوا لِتُثْبِتُوا عَمَلِيًّا أَنَّ اللهَ قَدْ دَعَاكُمْ وَاخْتَارَكُمْ حَقّاً. فَإِنَّكُمْ، إِنْ فَعَلْتُمْ هَذَا، لَنْ تَسْقُطُوا أَبَداً!”(كورنثوس الثانية 10-9:2). هذا لأن الأيمان العقلي والقلبي الصادق فيه الولادة الثانية، فيه ملكوت السماوات، فيه إدراك لرسائل الله من حولنا، فيه الحقيقية المعطية للحياة وللقلب الحي “وَأَهَبُكُمْ قَلْباً جَدِيداً، وَأَضَعُ فِي دَاخِلِكُمْ رُوحاً جَدِيدَةً، وَأَنْتَزِعُ مِنْ لَحْمِكُمْ قَلْبَ الْحَجَرِ وَأُعْطِيكُمْ عِوَضاً عَنْهُ قَلْبَ لَحْمٍ.”(حزقيال 26:36).

Categories
Posts

سلسلة الحياة بالإيمان

الجزء الثاني

عن الإيمان

“أن دائرة الإيمان تبدأ حيث تنتهي الممكنات وحيث يفشل العيان والحس “

الإيمان لا يتمم عمله في دائرة الممكن، فلا مجد لله في إتمام ما يمكن إتمامه بشريا. إنما الإيمان يبدأ حيث تنتهي قوة الإنسان لهذا يؤسس الإيمان الحقيقي دائما على وعد من مواعيد الله أو على فقرة من الكتاب المقدس.

 هذا أمر على جانب كبير من الأهمية، فالمؤمن يقرأ أو يسمع وعدا ما من الله، فيأخذ الروح القدس ذلك الوعد ويطبقه في قلبه وضميره، فيدرك المؤمن أن الله قد كلمه مباشرة. وبثقة تامة يحسب المؤمن أن الوعد مؤكد ومضمون كما لو كان قد تم فعلا، ولو أنه يبدو مستحيلا من وجهة النظر الطبيعية

ولعلّ المؤمن يتأثر بوصية وليس بوعد ولا فرق بين الحالتين. فأن كان الله يأمر، فهو يمكّننا من إتمام الأمر. فإذا أمر بطرس أن يمشي على الماء فلبطرس أن يتأكد من نوال القوة التي يحتاج إليها لذلك (متى14: 18). وهكذا هي حالنا فإذا أمرنا أن نكرز بالإنجيل للخليقة كلها فلنا أن نتأكد من نوال النعمة التي نحتاج إليها لذلك

أليس من الصواب أن يثق المخلوق في خالقه؟

هل من الجنون أن نؤمن بمن لا يمكن أن يكذب أو يتخلى أو يخدع؟

الثقة في الله هي الأمر المعقول، المنطقي، المقبول الذي يمكن أن يفعله الإنسان. فهو ليس قفزة في الظلام بل أنه يتطلب أقوى تأكيد، فيجد هذا التأكيد في كلمة الله التي لا تسقط. وما أحد وضع ثقته في الله وخاب قط، ولن يخيب أحد يفعل ذلك فالإيمان بالله لا تحدق به آية مخاطرات على الإطلاق

الإيمان يمجد الله، ويضعه في مكانه الصحيح، لأنه أهل للثقة التامة دون سواه أما عدم الإيمان فيهين الله، إذ يتهمه بالكذب (1يوحنا5 : 10 ) ويحد الإله القدوس(مزمور78: 41) والإيمان يضع الإنسان أيضا في مكانه الصحيح كمعتمد على الله متضع أمامه، ينحني فوق التراب أمام الرب سيد الجميع، الإيمان عكس العيان. يذكّرنا بولس الرسول بقوله “لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان” (كورنثوس 5: 7 ). والسلوك بالعيان معناه الاعتماد على وسائل منظورة والاستعانة بها، وتدبير احتياطات للمستقبل، واستخدام المهارة البشرية في عمل الضمانات ضد الأخطار غير المنظورة. أما السلوك بالإيمان فهو عكس ذلك. هو الاعتماد على الله وحده في كل لحظة. هو اتكال مستمر على الرب. فالجسد ينفر من موقف الاتكال الكامل على إله غير منظور، ويحاول أن يجد له وسادة يستند إلها ضد الخسائر المحتملة، وفي عدم استقراره يتعرض الانهيارات العصبية، لكن الإيمان يقفز بخطى ثابتة إلى الأمام أطاعه لكلمة الله، واثقا أن الرب يهتم بكل الاحتياجات

للإيمان مفهومان أساسيان  

المفهوم الأول

 التوبة و الإيمان  بتعاليم الإنجيل والكتاب المقدس ، “توبوا وآمنوا بالإنجيل” ( مرقس 15:1). و يسمى الرب يسوع بـ”رئيس الإيمان ومكمله” ( العبرانين 2:12) . أي “رأس الإيمان ومتممة” إذ هو الأساس الذي قام عليه كل بنيان الإيمان المسيحي وحقائقه 

جاء قول سفر أعمال الرسل أن الله “فتح للأمم باب الإيمان” ( أعمال الرسل 27:14 ). فالإيمان هنا هو الإيمان المسيحي . وحقائقه : الإيمان بالله و بوحدانيته، والاعتقاد في المسيح وربوبيته و ألوهيته ، وأنه الفادي ومخلص العالم ( يوحنا 36:12 ) ، وسائر التعاليم التي علم بها المسيح كما جاء في الإنجيل ، الذي کرز به الرسل وتسلمتها عنهم الكنيسة المسيحية . وأما المقصود بالأمم فهو الشعوب الأخرى من غير اليهود ، ممن آمنو بالمسيح

وبهذا المعنى جاء في سفر الأعمال أيضاً عن رجل ساحر يهودي عارض القديسين بولس وبرنابا في كرازتهما ودعوتهما، وحاول أن يعطل حاکم جزيرة قبرص عن الإيمان بالمسيح “لكن عليما الساحر … قاومهما وحاول أن يصرف الوالي عن الإيمان” ( أعمال 8:13 )

كذلك قال الرسول بولس عن نفسه “جاهدت الجهاد الحسن …وحافظت على الإيمان” ( 2. تيموثيئوس 4 : 7 )  

كذلك معنى الإيمان لمن يقال عنهم أنهم يرتدون عن الإيمان ، ( ۱. تیموثيئوس 1:4 ) أو أنكر الإيمان ( ۱. تیموثيئوس 8:5 ) أو اضلوا عن الإيمان ( ۱. تيموثيئوس 6 : 10)

المفهوم الثاني

 الإيمان و التصديق القلبي والنفسي والشعوري والروحي والباطني ، بالله وبالحياة الآخرة  

التصديق القلبي والروحي بالعقائد واليقين في حقيقتها، وعدم الشك في صدقها فمن قال أنه يؤمن بالله (مرقس 22:11 ) ، وبالحياة الأخرى ، فقد برهن بقوله هذا على أنه يعتقد بوجود الله وبالحياة الأخرى اعتقادا  جازماً. ولا يشك في حقيقة الله ووجوده، من ذلك قول القديس بولس الرسول” لأنني عالم بمن آمنت وواثق بأنه قدير على أن يحفظ وديعتي إلى ذلك اليوم” ( 2. تيموثيئوس 12:1)، فهنا الإيمان هو التصديق القلبي بالله (يوحنا 1:14 ) . والاعتماد عليه بيقين وثقة واطمئنان، والاعتقاد الراسخ في رحمته وعدله وصدق وعوده 

ومن هنا جاء تعريف الإيمان في الكتاب المقدس بأنه “الثقة بما يرجي والإيقان بأمور لا ترى” (عب 1:11 ) . فالإيمان تصديق ويقين نفسي بحقائق لا يدركها الإنسان بالحواس. ومن هنا فالإيمان هو غير العيان. ( 2. كورنثوس 7:5 ) فنحن نؤمن بالله وإن كنا لا نراه . ونؤمن بالروح وإن كنا لا نلمسها، ونؤمن بالحياة الأخرى وإن كنا لا نشاهدها بحواسنا الظاهرة

أنواع الإيمان

والإيمان أنواع ومستويات: فهناك الإيمان البسيط، والإيمان المتعقل، والإيمان الذي بلا فحص، والإيمان الخلاق أو التوليدي

الإيمان البسيط

وهو الإيمان السطحي، ويُبني على التصديق السريع ، وصاحب هذا الإيمان لا يقوى على أن يصمد أمام الشكوك التي يثيرها أعداء الإيمان ، فسريعاً ما يعلن مثل هذا الإنسان عن إيمانه ، وسريعاً ما ينهار إيمانه أمام صعوبة لأنه لا عمق له … ومثل هذا الإيمان نلحظه في العوام والجهال من الناس ، يُبني فيهم على مقولة جميلة أو قصة مؤثرة أو موقف قوى من بعض القيادات الروحية أو الدينية يذهلون له أو يبهرون به ، فيسرعون إلى الإذعان بما يقال لهم من ذلك القائد أو الزعيم ، وهم في فورة الانفعال بالموقف ، فإذا بردت تلك الفورة العاطفية أو هدأت ، واصطدم ذلك المؤمن بموقف صعب وتجربة أليمة لا يقوي إيمانه على الصمود أمامها إنهار إيمانه . وقد يتحول تحت شدة الصدمة إلى جحود، وربما إلى انفعال مضاد، فيلعن الإيمان الأول ويتنكر له
يقول المسيح “مَتَى جَاءَ ابْنُ الإِنْسَانِ، أَلَعَلَّهُ يَجِدُ الإِيمَانَ عَلَى الأَرْضِ؟” (لوقا 8:18) وأمثال المتلبسين بهذا النوع من الإيمان كثيرون ممن نراهم في كل يوم، ممن يصيحون بالإيمان ويتشدقون بالشعارات، ولا يلبثون طويلاً حتى تسمع منهم هم بذواتهم صيحات الاستنكار، والتجديف، حتى ليكاد من يسمعهم أن يشك في عينيه أو أذنيه، ويتولاه الذهول والعجب مما يبدو أمامه محالاً لا يقبله العقل ولا يسيغه الحّس. ولعل هذا النوع من الإيمان يجد تفسيره فيما أورده المسيح له المجد في مثل الزارع ، عن بعض البذور مما سقط على جانب الطريق فجاءت طيور السماء وأكلته ، أو بعض البذور مما سقط على البقاع الصخرية حيث لا تتوافر له التربة لانعدام الرطوبة ، فسرعان ما نبت ، إذ لم يكن له عمق في الأرض ، حتى إذا أشرقت الشمس أحترق ، وإذ لم يكن له جذور جف … وقد قال الرب يسوع المسيح عن هذا الفريق من الناس أنهم يسمعون كلمة الملكوت ولا يفهمونها ، فيأتي الشيطان على الفور فيقتلع ما قد زرع في قلوبهم ، لئلا يؤمنوا فيخلصوا أو هم الذين يسمعون الكلمة وسرعان ما يقبلونها ، ولكنهم إذ لا جذور متأصلة في ذواتهم لا يثبتون إلا إلى حين ، ثم إذا وقعت ضائقة أو اضطهاد بسبب الكلمة فسرعان ما يتزعزعون ويضعفون

( متی 3:13-21 ) ( مرقس 4 : 3-17 ) ، ( لوقا 8 : 5-13 )

الإيمان المتعقل

وأما النوع الثاني من الإيمان ، فهو الإيمان المتعقل ، وهو أرقى وأعلى درجة من الإيمان البسيط ، لأنه يجئ بعد الشك وبالتالي بعد الدرس والفحص والامتحان ، فيكون إيماناً قائماً على أساس ثابت راسخ ، وقادراً على مواجهة الشكوك ، لأنه جاء بعد مرحلة من الشك ، وبالتالي فهو قائم على الاقتناع العقلي والقلبي بأدلة يرضى عنها العقل ، ويستند إليها الإيمان … هذا الإيمان هو إيمان المفكرين والعلماء والفلاسفة ، وهو إيمان قوي ، لا يتزعزع ، وقد قال فيه القديس أوغسطينوس مقولته المشهورة “العقل يسبق الإيمان والإيمان يسبق العقل . وإني أؤمن لكي أتعقل وأفهم”. والمعنى أن الفيلسوف والمفكر يستخدم عقله قبل أن يسلمه العقل إلى الإيمان. فالإيمان يجي بعد النظر العقلي، وبذلك يكون إيماناً قوياً وراسخاً وقائماً على أدلة مقنعة للعقل والقلب. فهو يتأمل الكون بالعقل، وهذا التأمل العقلي يقوده إلى الإيمان بوجود خالق الكون، هو العلة الأولى للوجود … وبعد ذلك تأتي مرحلة ثانية بعد الإيمان، للعقل أيضاً فيها عمل. ذلك أن الإيمان أو الدين يقدم للإنسان مسلمات دينية جاء بها الوحي ولم يأت بها العقل. ومع ذلك فالعقل يتلقفها من يد الإيمان محاولاً أن يتفهمها ويسيغها ويبرهن عليها، بأدلة عقلية … وبهذا تتحول الحقائق الإيمانية بعد أن يهضمها العقل إلى حقائق إنسانية مقبولة للعقل، ويمكن للعقل أن يدافع عنها، ويبرهن على صدقها وصحتها، وأنها لا تتعارض مع قوانین الفكر الضرورية وإن كانت مصادرها الأصلية سماوية وإلهية … وأخيرا كما يقول القديس أوغسطينوس “وإني أؤمن لكي أتعقل وأفهم” والمعنى من ذلك أن الإيمان وإن جاء بعد التعقل. لكنه ضروري للإنسان من أجل أن يفهم ما لا يستطيع أن يتوصل إليه من غير الإيمان. فالعقل الإنساني قاصر ومحدود ، وقد يتوصل إلى الإيمان بالله بتأمله في الكون ونظامه وقوانينه ، فيهتدي إلى أنه لابد من وجود خالق للكون عاقل وبصير ، كلى العلم وكلى القدرة ، وكلى الحكمة ، أزلي أبدي حاضر في كل مكان … وهنا يتوقف العقل عن أن يعرف عن طبيعة الله ، وحين يتوقف العقل يبدأ الإيمان عمله ، آخذا بيد العقل إلى ما بعد المشارف إلى شيء من المعرفة عن طبيعة الله فيكلمنا عن صفات الله ، وخاصياته الثلاث (وهو ما يعرف بالأقاليم الإلهية ) ، ويحدثنا عن الفداء والخلاص ومصير الروح بعد الموت والقيامة العامة وغيرها ، من الحقائق الدينية التي لا يستطيع العقل أن يتوصل إليها من تلقاء ذاته ما لم يتلقنها من الإيمان أو النقل. أي من الوحي والكتب المقدسة. على أن للعقل بعد ذلك عملاً آخر هو شرح ما يقدمه الإيمان وتفسيره وتقريبه إلى مستوى إدراك الإنساني بالأمثلة الموضحة والبراهين العقلية، مما يفيد في فهم ما كان عالياً على الإدراك الإنسان، فتصير بذلك الحقائق الدينية مفهومة ومساغه للعقل ومقبولة، بل تصبح مؤيدة ومسنودة بالأدلة والمقارنات، واضحة جلية للفكر ليس فيها ما يتعارض مع قوانين الفكر أو يتناقض مع النظر العقلي 

وبهذا يبدو واضحا أن ما يقدمه الإيمان قد أساغه العقل وبرره، وصار على امتداد خط واحد في طريق الفهم الكامل، بمعنى أن ما يقدمه العقل قبل مرحلة الإيمان، وما يقدمه الإيمان في المرحلة الثانية، يتقدم بالإنسان في خط واحد ممتد إلى الأمام في خدمة الإنسان لإكتمال فهمه للوجود 

هذه الحركة العقلية الإيمانية تشبه ما يحدث للتلميذ الذي يتقدم إلى المعرفة. فهو يبدأ بنوع من المعرفة التلقائية الطبيعية لما حوله، مما تقدمه له الحواس وما يمكن أن يستنبطه بعقله. ولكنه بالنسبة لبعض الحقائق يعجز عن التوصل إليها إلا من خلال المدرسة والمعلمين. وما يتلقاه من المدرسة والمعلمين يعمل فيه عقله ليسيغه ويفهمه ويهضمه ويستوعبه، حتی يستحيل إلى حصيلة عرفانية تزوده بإضافة جديدة إلى معرفته الأولية. على أن المعرفة الأولية مضافاً إليها المعارف التي يتلقاها من المعلمين، هذه وتلك جميعاً تتفاعل معاً وتندمج معاً وتتحول إلى جماع من المعرفة، يستعين بهما معاً على زيادة الفهم والمعرفة. فالمعرفتان الأولى والثانية تتضامنان معاً في خط واحد لبلوغ درجة عالية في المعرفة. هكذا العقل والإيمان، أو العقل والنقل، يتعاونان ولا يتعارضان، يتزاملان ويتفاعلان، ولا يتعارضان ولا يتناقضان، وهما معاً في خدمة الإنسان لزيادة المعرفة والفهم والإدراك، وتنوير البصر والبصيرة.

الإيمان الذي بلا فحص

وأما الإيمان الذي بلا فحص، فهو مرتبة أعلى من الإيمان، أسمي من الإيمان المتعقل، وبالتالي من الإيمان البسيط.. فيه يبلغ المؤمن إلى ثقة بالله ويقين بوجوده وبحكمته وصدق وعوده وقدرته، بحيث لا يعود يفتش عن دليل أو برهان، ولا يحتاج إلى من وما يقنعه ويرسخ إيمانه في الله

لقد كان قبل ذلك في حاجة إلى دليل ولعله مر بمرحلة الشك فترة ما، ثم تبدل شکه بيقين، وصار إيمانه قوياً و مسنوداً بأدلة وبراهين. ولكنه بعد أن بلغ هذا اليقين لا يفتش عن دليل جديد، فإذا صدر إليه أمر من الله صدع له مؤمنا في يقين أن الخير فيما أمر الله به، ولسان حاله دائما وشعاره “المر الذي تختاره أنت لي يا الله خير من الحلو الذي أختاره أنا لنفسي”

وليس معنى “الإيمان بغير فحص”، أنه إيمان أعمى، أو انقياد بغير بصيرة أو وعي- ولكنه مرتبة من الإيمان تأتي بعد طول اختبار، وبعد مرات من الشك والفحص تنتهي بالاقتناع والتسليم؛ نعلم أن الله يسخر كل شيء لخير الذين يحبونه . (رومية 8 : 28). 

وكمثال على هذا الإيمان الذي بلا فحص، إيمان إبراهيم الذي كان يعيش في وسط عشيرته فيما بين النهرين. فتلقى أمراً من الله “اذهب من أرضك ومن عشيرتك ومن بيت أبيك إلى الأرض التي أريك، فأجعلك أمة عظيمة” (تك 1:12 ، 2 ) ، ( أعمال الرسل 2:7 ، 3) ، فما كان من إبراهيم إلا أنه أطاع أمر الله ولم يجادل فيه . ومما هو أوضح في الدلالة على التسليم المطلق والإذعان التام بغیر تحفظ للأمر الإلهي الصادر إليه قول الكتاب المقدس، “بالإيمان إبراهيم لما دعي أطاع أن يخرج إلى المكان …. فخرج وهو لا يعرف إلى أين يتوجه” (عب 8:11)  

الإيمان الخلاق أو التوليدی

أما الإيمان الخلاق أو التوليدي فهو أرقى أنواع الإيمان جميعاً، وهو امتداد للإيمان المتعقل. فالإيمان الذي بلا فحص، وهو تسليم مطلق لإرادة الله مع اسقاط تام لإرادة الإنسان بعد مسيرة طويلة في حياة الشركة المقدسة مع الله، واختيار حكمته تعالى التي تعلو بما لا قياس على حكمة الإنسان وفهمه للتدبيرايات الإلهية

وكمثال على هذا النوع الممتاز من الإيمان الخلاق إيمان إبراهيم الذي أمره الرب قائلا: “خذ ابنك وحيدك الذي تحبه اسحق وأذهب إلى أرض المريا وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أريك” ( التكوين 2،1:22) . وعلى الرغم من أن الله سبق فوعد إبراهيم ولم يكن له آنئذ ولد قائلاً: “بل سارة امرأتك ستلد لك إبنا وتدعو اسمه اسحق، وأقيم عهدي معه عهداً أبدياً لنسله من بعده”( التكوين 19:17 ) ، فإنه لم يتوان عن إطاعة الأمر الصادر إليه بأن يذبح هذا الابن الذي وعده الله به ووعده بأنه ، به تتبارك جميع قبائل الأرض (التكوين 3:12 ) ، ( 18:18 ) ، ( 18:22 ) ،. “فبكر إبراهيم صباحاً وشد على حماره وأخذ معه إثنين من غلمانه، واسحق ابنه، وشقق حطباً لمحرقة، وقام ومضى إلى الموضع الذي قال له الله .” ( التكوين 3:22) ثم ” بني إبراهيم هناك المذبح ونضدّ الحطب وأوثق اسحق ابنه ، وألقاه على المذبح فوق الحطب ، ثم مد إبراهيم يده وأخذ السكين ليذبح ابنه” ( التكوين 9:22، 10 ) فكيف تم كل ذلك ، ولم يعترض إبراهيم ولم يجادل ، ولم يناقش وعد الله السابق إليه بأنه بإسحق يدعى له نسل ؟ والجواب على ذلك نجده فيما بعد، في رسالة بولس إلى العبرانيين:” بالإيمان قدم إبراهيم اسحق حين امتحن. ذاك الذي قد حصل على المواعد قرّب وحيده، وقد قيل له أنه بإسحق يُدعي لك نسل. واعتقد أن الله قادر أن يقيمه من بين الأموات” (العبرانيين (17:11-19). والمعنى من ذلك أن إبراهيم عندما قدم ابنه اسحق ذبيحة لم يكن عنده شك في أن الله سیبر بوعده في اسحق، وذلك لثقته التامة في صدق ما وعد الله به، فإذا كان اسحق سيحرق حياً فإن الله لابد أن يقيمه من بين الأموات، مادام قد وعده بأنه بإسحق يُدعى لإبراهيم نسل. ومع أن عقيدة القيامة من الموت لم تكن قد عُرفت بعد، ولا رأي إبراهيم أحداً من قبل قد قام من بين الأموات، إلا أن إيمانه المُطلق بأن الله وعد، وأنه لابد أن يبر بوعده هو الذي جعله يعتقد أن اسحق بعد أن يحترق بالنار سيقيمه الله من بين الأموات. وهكذا كان إيمان إبراهيم بالله عظيماً، حتى أنه ولد عنده الاعتقاد بالقيامة من الموت، وهو اعتقاد لم يكن معروفاً، لكنه تولد ونشأ من يقين الإيمان ( العبرانيين 22:10 ) بالله ، وطلاقة قدرته على كل شيء حتى لو كان يبدو للإنسان مستحيلاً أو محالاً

هذه الأنواع الثلاثة الأخيرة، الإيمان المتعقل، والإيمان الذي بلا فحص، والإيمان الخلاق والموّلد، يوصف أصحابها بأنهم: راسخون في الإيمان (1. بطرس 9:5) وثابتون في الإيمان، (كولوسي 2 : 5 ) ، ( ۱. تیموثيئوس 15:2 ) ، و أصحاء في الإيمان ( تيطس 13:1 ) وإيمانهم صادق  

Categories
Posts

سلسلة الحياة بالإيمان

الجزء الأول

إحترام الحياة

هناك من يعيش الحياة البوهيمية الخالية من النظام والترتيب (تحت مسميات التحرر/ التطور …إلخ) وهذه الطريقة في الحياة تمنع الفرد من ان يحترم الحياة أو أن يدرك معناها وقيمتها فتنشئ مفاهيم خاطئة ومبادئ مشوهه تنعكس بصورة أفعال في حياة الفرد وتثقل كاهل المجتمع (مثال فضلات الكلاب )

إن الحياة بالدرجة الأولى هي عطية الله، فلم يولد إنسان بمجرد الصدفة ويقينًا أن النملة التي تدبّ على الأرض موجودة بمشيئة الله، وإذا تأكّدنا أن الحياة هي عطية الله وُجب علينا أن نحترمها

إن احترام الحياة يعني أولاً وقبل كل شيء إقامة علاقة مع الله لأنه مصدر الحياة ومنحه السيادة الكلية على حياتنا التي وهبنا إياها لأنه صلب هذه الحياة

حين خلق الله الإنسان الأول “نفخ في أنفه نسمة حياة. فصار آدم نفسًا حية.” (تكوين 7:2) واستمرار الحياة يتوقّف على مشيئة الله “لأننا به نحيا ونتحرّك ونوجد.” (أعمال 28:17)

إن الذين يتمنّون الموت لأنفسهم بسبب قسوة الحياة وظروفها الصعبة قد غابت عن أذهانهم رؤيا الحياة في معناها السليم، وسبب ذلك أنهم ركزوا أفكارهم في ظروفهم وذواتهم ولم يعطوا الله المكان الأول في حياتهم

واحترام الحياة يعني احترام كل دوائرها

 دائرة الوجود العقلي: طريقة التفكير والتعاطي مع الأمور المحيطة

 دائرة الوجود العاطفي والنفسي: الرغبات والمشاعر (قد نتفق في شيء ونختلف على أشياء)

 دائرة الوجود الروحي: طريقة التواصل مع الله وطبيعة العلاقة القائمة الناشئة (فهي شخصية بالمقام الأول)

 دائرة الوجود الجسدي: إن الحيز المكاني الذي يتواجد فيه الأشخاص (قد يكون مضطر للتواجد في مدرسة معينة، حي معين، او حتى في دولة معينة أو أبسط من هذا قد يكون في انتظار الحافلة او القطار!ـ هل يعني هذا ان أكون مصدر إزعاج؟ ـ

لابدّ من التوازن في إشباع كل دائرة من دوائر الحياة، فلا تطرّف في التفكير العقلي. “لا يرتئي (أحد) فوق ما ينبغي أن يرتئي بل يرتئي إلى التعقّل.” (رومية 3:12) لا تطرّف في السير مع العواطف ومتطلّبات النفس، ولا تطرّف في الحياة الروحية، ولا تطرّف أو إغراق في الشهوات الجسدية، بل لا بدّ من التوازن الحقيقي ليعيش الإنسان حياته كما أراد الله أن تكون.

خلال تجربتنا الحياتية نجد حالات من انعدام التوازن بين متطلبات الموقف والمرحلة الناشئة وقدرة الفرد على الاستجابة لهذه المواقف ما ينعكس بصورة ضغط نفسي فأحيانا يكون هذا الضغط محفز للفرد على الإبداع والإنجاز وغالباً يكون ذو تأثير سلبي يثبط العزيمة ويعرقل مساراته

هنا يتوجب علينا أن نضع في عين الاعتبار أن تباين قدرة الافراد على التكيّف مع الحياة الاجتماعية وجعلها جزء من الحياة اليومية، أمر واقعي قائم نتيجة إدراك عقلي خاطئ للتجربة الحياتية ما يفرز ردود أفعال خاطئة غير متوازنة وبالتالي القلق والتوتر العاطفي، في حين قد يعتبر البعض من الافراد ان قدراتهم على التكيف مع البيئة الاجتماعية المتواجدين فيها مهمة شاقة ومرهقة وتفوق قدرتهم مما يفرض عليهم تجربة الحياة في الواقع الافتراضي والشعور الدائم بأن المجتمع شرير مليء بالاضطهاد وانهم ضحية هذا الاضطهاد.

عند هذه المرحلة يتبادر إلى أذهاننا كأشخاص نسعى للحياة بالإيمان ماذا يعني ان احترم الحياة التي اعيشها وماذا يعني ان احترم حياة الناس الموجودين في هذه التجربة الحياتية، للإجابة عن هذا السؤال يحب ان نحدد مفهومً كتابياً مشتركً لمعنى احترام الحياة:

احترام الحياة هو احترام النظام والترتيب والتنسيق في الحياة  

إن الله “ليس إله تشويش بل إله سلام.” (رومية 33:14) وقد نظّم الله الكون بإتقان، فالشمس تشرق وتغرب في مواعيدها وفصول السنة تسير بنظام بديع: الصيف والخريف والشتاء والربيع. والنجوم تظهر في السماء بجمالها الرائع، والإنسان الذي يحترم الحياة يجب أن يحترم النظام والترتيب والتنسيق.

إن المرأة التي تترك بيتها بلا نظام ومطبخها بلا نظافة، وحجرة نومها بلا تنسيق وملابسها بلا أناقة هي امرأة لا تحترم الحياة. والرجل الذي يملأ بيته فوضى ويلقي بملابسه وكتبه وحذائه هنا وهناك، رجل لا يحترم الحياة… إن احترام الحياة يعني احترام جمال الحياة ونظامها.

احترام الحياة هو احترام الوقت 

إن الله اوجد الوقت “مُفْتَدِيّْنَ الوقت لأن الأيام شريرة.” (أفسس 16:5) والوقت هو الحياة، إن حياة كل فرد تتكوّن من الثواني، والدقائق، والساعات والأيام، والأسابيع، والشهور، وهذه تكوِّن سنوات العمر، فالذي يهمل افتداء الوقت يضيع حياته في التفاهات والأوهام.

إن المرأة التي تتحدّث هاتفيًّا حديثًا تافهًا ولمدة ساعة مع صديقتها فإنها تتلف وقتها ووقت صديقتها. والرجل الذي يضيّع وقته في أحاديث عاطلة يسمح لسوس الزمن أن ينخر في حياته ويهدمها

إن الذين قالوا: “الوقت من ذهب” و”الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك” كانوا على حق، ولذلك أفرد الوحي حديثًا طويلاً عن تنظيم الوقت، فقال: ” لِكُلِّ شَيْءٍ زَمَانٌ، وَلِكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ وَقْتٌ: لِلْوِلاَدَةِ وَقْتٌ وَلِلْمَوْتِ وَقْتٌ. لِلْغَرْسِ وَقْتٌ وَلِقَلْعِ الْمَغْرُوسِ وَقْتٌ.” (جامعة 1:3-3)

احترام الحياة هو احترام الأحياء

إن الشخص الذي يحتقر الناس يحتقر الحياة، فكل إنسان يستوجب احترامنا، يستوجب ان نحترم خصوصيه، عاداته وتقاليده …. الخ. ونحن حين نحترم الحياة نحترم الأحياء سواء كانوا معنا أو علينا، وسواء وافقوا مع عقائدنا أو اختلفوا عنها سواء أظهروا لنا تعبهم، ضيقهم، قلقهم أو لم يظهروه “سمعتم أنه قيل: تحب قريبك وتبغض عدوك وأما أنا فأقول لكم: أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات، فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على الأبرار والظالمين لأنه إن أحببتم الذين يحبونكم، فأي أجر لكم؟ أليس العشارون أيضا يفعلون ذلك وإن سلمتم على إخوتكم فقط، فأي فضل تصنعون؟ أليس العشارون أيضا يفعلون هكذا فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل” (متى5: 43 – 48).

إذن لن نستطيع أن نتعلم احترام الحياة إلا إذا نظرنا إليها في ضوء الأبدية. “قَدْ رَأَيْتُ الشُّغْلَ الَّذِي أَعْطَاهُ اللهُ بَنِي الْبَشَرِ لِيَشْتَغِلُوا بِهِ. صَنَعَ الْكُلَّ حَسَنًا فِي وَقْتِهِ، وَأَيْضًا جَعَلَ الأَبَدِيَّةَ فِي قَلْبِهِمِ، الَّتِي بِلاَهَا لاَ يُدْرِكُ الإِنْسَانُ الْعَمَلَ الَّذِي يَعْمَلُهُ اللهُ مِنَ الْبِدَايَةِ إِلَى النِّهَايَةِ.” (جامعة 10:3-11) والحياة الأبدية تتركّز في شخص المسيح، فمن يمتلك المسيح ويجعله مخلّصًا لنفسه، ويقبله ربًا لحياته يعرف كيف يحترم الحياة. “وَهذِهِ هِيَ الشَّهَادَةُ: أَنَّ اللهَ أَعْطَانَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَهذِهِ الْحَيَاةُ هِيَ فِي ابْنِهِ. مَنْ لَهُ الابْنُ فَلَهُ الْحَيَاةُ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ ابْنُ اللهِ فَلَيْسَتْ لَهُ الْحَيَاةُ.” (1يوحنا 11:5-12)

لقد شهد الرب يسوع عن نفسه فقال: “وأما أنا فقد أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل.” (يوحنا 10:10) مع المسيح فقط تكون الحياة

هل قبلت المسيح مخلصًا لنفسك؟

هل قررت أن تتبعه،وجعلته رباً على حياتك؟

إنه قرار صعب للغاية “حينئذ قال يسوع لتلاميذه: إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني” (متى 16: 24) من هذا الذي يقبل ان ينكر ذاته و يقضي على فردانيته أصل تسميته فرد ليكون موته عن شخصه حياةً بالمسيح الذي فيه خلاص العالم لا دينونته “لا شيئا بتحزب أو بعجب، بل بتواضع، حاسبين بعضكم البعض أفضل من أنفسهم لا تنظروا كل واحد إلى ما هو لنفسه، بل كل واحد إلى ما هو لآخرين أيضا فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضا” (فيلبى 2 : 3 – 5) وهذا هو مفتاح الحياة الحقيقة “أنا هو الطريق والحق والحياة.” (يوحنا 6:14)

 لنصلي ونفرح وتكون كلمة الرب جزء من حياتنا…… بل كل حياتنا في المسيح رب الأرباب وملك الملوك ….

آمين.

Categories
Posts

!تكريس بيوتنا للعام الجديد

يتحدّث النّاس بشغفٍ عند قول: “أنا شيّدت بيتاً”، أو “إنني أعيش في بيت بنيته بتعبي “، والسؤال هل البيت هو البناء المكوّن من الحجارة والإسمنت والخشب والحديد والألمنيوم والبلاط والكهرباء والماء. أم أن البيت هم النّاس الذين يسكنون البناء؟

صحيح أن البناء مكلف ومتعب ويحتاج للمال وللجهد والعمل. ولكن بناء الأسرة أهم بكثير. وأن يعيش الرجل وزوجته وأولادهم بسلام وانسجام ومحبة أهم جدّاً من وجودهم في بناء واحد

بالعودة إلى كلمة الله في الكتاب المقدس، نجد أن كلمة البيت تشير مع معظم استخداماتها إلى الأشخاص والأفراد، أي إلى الأسرة أو مجموعة الناس الذين يعيشون معاً في بناء واحد. فالبيت هم الحجارة الحيّة وليس مجرد حجارة ميّتة. كذلك يذكّرنا الله في وحيه المقدّس أن بناء البيت يجب أن يتم بالاعتماد الكامل على الله، وأن أي جهد أو عمل أو بناء بدون الله فهو باطل ومصيره الانهيار

١- إنْ لَمْ يَبنِ الرَّبُّ البَيتَ، فباطِلًا يتعَبُ البَنّاؤونَ. إنْ لَمْ يَحفَظِ الرَّبُّ المدينةَ، فباطِلًا يَسهَرُ الحارِسُ. ٢باطِلٌ هو لكُمْ أنْ تُبَكِّروا إلَى القيامِ، مؤَخِّرينَ الجُلوسَ، آكِلينَ خُبزَ الأتعابِ. لكنهُ يُعطي حَبيبَهُ نَوْمًا. ٣هوذا البَنونَ ميراثٌ مِنْ عِندِ الرَّبِّ، ثَمَرَةُ البَطنِ أُجرَةٌ. ٤كسِهامٍ بيَدِ جَبّارٍ، هكذا أبناءُ الشَّبيبَةِ. ٥طوبَى للّذي مَلأَ جَعبَتَهُ مِنهُمْ. لا يَخزَوْنَ بل يُكلِّمونَ الأعداءَ في البابِ.

نتعلّم من كلمة الله في مزمور 127 بأن جهودنا البشرية باطلة بدون عمل الله معنا وقيادته لنا في كل ما نقوم به في حياتنا الأرضية. ويذكر المزمور أربعة نواحي في حياتنا بشكل محدد. ونجد في جميع هذه الحالات تشديداً واضحاً على ضرورة الاتكال على الله، وأنه بدون الله، تصبح الحياة فارغة وبلا رجاء

.١- الحياة الاجتماعية
. ٢- المواطنة أو السكن في مدينة جغرافية محددة
.٣- العمل
.٤- البيت والأسرة

آية 1: إن لم يبن الرَّبُّ البيتَ فباطلاً يتعب البناؤون
يبدأ المُرنم، وهو سليمان، الذي بنى أول بيت للرب في تاريخ البشرية، أي هيكل الله في أوروشليم، يبدأ في الحديث بوضوح بأنه إن لم يبن الله البيت، فإن هذا البيت يكون مبنياً على الرّمال، وسريعاً ما سينهار. لذلك يجب أن نطلب حضور الله في بيوتنا ليكون هو رب وسيد كل شيء في حياتنا كأسرة وكأفراد. علينا أن نطلب بركة الله لعائلاتنا، وإرشاد الله في قراراتنا، وقيادة الله لأعمالنا، وفكر الله في إيماننا وعبادتنا ومسيرتنا. فما أعظم أن نلمس بركة الله وحضوره في حياتنا، وفي أسرتنا

كيف يبنى الرب البيت؟ وكيف نعرف ذلك؟

أن نعمل وفق إرشاد كلمة الله، وأن يكون هدفنا أيضاً هو مجد الله. وباطلة هي جهودنا البشرية بدون الثقة والاتكال على الله. أي أن السؤال عن كيفية بناء الله لبيوتنا يعني ببساطة السؤال عن ثقتنا وإيماننا بوجود الله في حياتنا وجهودنا اليومية؟ فهل الله موجود في بيوتنا؟ أم أننا نحاول أن ننجز كل شيء بقوتنا وحكمتنا البشرية، دون الثقة بقوة وإرشاد وبركة الله؟!

يرمز بناء البيت إلى أمرين
. ١- تكوين الأسرة ونشأتها وترابطها
. ٢- بناء سكن أو مكان لتعيش فيه الأسرة

واضح من الآيات اللاحقة في المزمور، أن الحديث يدور عن تكوين الأسرة ونشأتها وعلاقة أعضاء الأسرة مع الله ومع بعضهم البعض، وهل يعيشون ببركة الله ورعايته وقيادته، أم يحاولون تدبير أنفسهم بشكل مستقل عن الله. كذلك نجد في مواقع كثيرة في الكتاب المقدّس آيات عن البيت باعتباره النّاس الأحياء وليس البناء الميّت، ومن الأمثلة على ذلك

في راعوث 11:4-12 يدور الحديث عن أسرة أو جماعة الله
في لوقا 9:19 نجد أن الموضوع هو خلاص للبيت، أي خلاص زكا وأفراد عائلته
في صموئيل الأول 35:2 نجد وعداً من الله ببناء بيتاً أميناً، أي أن الحديث يتعلق بأسرة تحب الله
في صموئيل الثاني 16:7 يعد الله الملك داود أن أن يكون بيته ومملكته في أمان
في متى 25:10 نقرأ أن الرّب يسوع المسيح هو رب البيت المسيحي الحقيقي

كيف ترى وضع بيتك؟ هل يعمل الله في بناء بيتك؟ أم تترك أفراد أسرتك أسرى في يد الخطية؟

آية 1: إن لم يحفظ الرَّبُّ المدينة فباطلاً يسهر الحارس
كانت المدن في الماضي محاطة بالأسوار، وما تزال أسوار أوروشليم خير دليل على ذلك، كذلك بقايا أسوار عكا، وأسوار بئر السبع القديمة، وغيرها من مدن بلادنا. وكذلك كان الحال قبل دخول الشعب القديم بقيادة يشوع، واستمر بناء الأسوار أيام مملكة إسرائيل ويهوذا، وأيام الرّب يسوع المسيح، وحتى عهود قريبة جداً

كانت الأسوار تُبنى حول المدن بقصد الحماية من هجمات الأعداء، ومن الحيوانات المفترسة. وعادة كان يتم وضع الحراس على أسوار المدينة للسهر على حماية البلد وتنبيه النّاس من أي خطر قادم

عندما تُهاجَم أيُّ مدينة، يدب الهلع في نفوس سكانها، ويصاب الجميع بالعصبية، ويعمل النّاس جاهدين للدفاع عن مدينتهم. لذلك يُذكّرنا الله هنا أنه بدون رعاية وحماية الله، فإن السهر من أجل الحماية من الأعداء سيكون باطلاً، وأن المحامي والسّاهر الحقيقي على شعبه هو الله. فإن لم يحفظ الله بيوتنا وأُسَرِنا وعائلاتنا ومدننا، فإن جهودنا البشرية باطلة. فالله هو الحارس والرّاعي والمدافع الأمين. نقرأ في مزمور 3:121-5 “لا ينعس حافظك… الرب حافظك… الرب “يحفظك من كل شرٍّ

آية2: “بَاطِلٌ هُوَ لَكُمْ أَنْ تُبَكِّرُوا إِلَى الْقِيَامِ مُؤَخِّرِينَ الْجُلُوسَ آكِلِينَ خُبْزَ الأَتْعَابِ. لَكِنَّهُ يُعْطِي حَبِيبَهُ نَوْماً”. باطلٌ هو لكم أن تبكّروا إلى القيام (من النوم) مؤخرين الجلوس (السهر في العمل) آكلين خبز الأتعاب. لكنه يعطي حبيبهُ نوماً


باطل للإنسان أن يبكّر الى القيام من النّوم، ويعمل ساعات العمل الطويلة، من قبل الفجر، وحتى ساعة متأخرة من الليل، وهدفه الوحيد هو تحصيل المال والأكل نتيجة تعبه. فالحياة ليست للعمل فقط، وليست قلق دائم لتحصيل لقمة العيش. فإن كان العمل وتحصيل المال هو الغاية، فهذا أمر باطل ولا يمجّد الله ولن يباركه الله. بل إن الشخص الذي يعيش لهذه الغاية، لن يجد الشبع، ولن يكتفي بأي مقدار من المال يدخله، ولن ينام مستريحاً، بل سيعيش تعباً في النهار ولن يشبع نوماً في الليل

بعكس الإنسان الذي يعمل بثقة مطلقة بأن الله معه، وأن عمله نعمة وعطية من الله، فهذا الإنسان يعمل متكلاً على الله في تسديد الحاجات، ولا يكون هدفه جمع المال، بل الحياة الكريمة والمشرّفة، ومثل هذا الإنسان ينام ليلة مستريحاً وبلا قلق. لذلك علينا أن نثق بالله في أعمالنا. ولا نجعل من العمل عبادة، بل الله هو غايتنا. من يعبد العمل فهو بعيد عن الله، لذلك علينا أن نعمل لنعيش بكرامة ونمجد الله حتى في عملنا، وذلك بثقتنا بالله. كذلك باطل ان فكّرنا أنّ خلاصنا بأعمالنا، بل هو عطية من الله لنا بدافع من محبته ونعمته الغنية

يصبح تعب الإنسان تحت الشمس باطلاً إن كان الله بعيداً عن حياته. فما أشقى الإنسان الذي يعيش للعمل والمال، ولا يعيش لله، فهو لن يهنأ حتى في نومه. صحيح أن الله يريدنا أن نبكّر الى القيام للصلاة، وليس لكي نقضي كل وقتنا في العمل وجمع المال. لذلك علينا أن نبدأ يومنا بالصلاة قبل التّوجه الى أعمالنا ووظائفنا ودراستنا. مزمور 1:63

الآيات 3-5: بركات الله على العائلة

“آية 3 “هوذا البنون ميراثٌ من عند الرَّبّ، ثمرةُ البطن أجرةٌ
كثيرة هي البركات على الأسرة المسيحية التي تخاف الله، فهو يعطي للأسرة المسيحية المباركة أولاداً وبناتاً. أي أن الأطفال ميراثٌ من عند الرَّبّ، فهم ليسوا ملكنا، بل ميراثٌ علينا رعايته والعناية به، لأننا سنتركه لاحقاً لرعاية الله ولرعاية غيرنا. أجلّ، إن بارك الله أسرة بالأولاد والبنات، فلنتذكر أنهم ميراث، أي عطية ورثناها من الله، عطية أعطانا إياها الله، وهو يتوقع منا الحفاظ على هذا الميراث وعدم ضياعه في دروب الشر والخطية والفساد. وبما أن البنون عطية من الله، فالمسيحي الحقيقي دائماً يعارض قتل الميراث بواسطة الإجهاض. فالإجهاض هو عملية قتل مدبّرة، أي جريمة في نظر الله، وتعدي على الله وإهدار لميراث الله المعطى لنا

“آية 4: “كَسِهَامٍ بِيَدِ جَبَّارٍ هَكَذَا أَبْنَاءُ الشَّبِيبَةِ
يعطي الله الحماية والشعور بالأمان للعائلة المسيحية التي تتقي الله. ولدينا هنا تشبيهاً قوياً من الحياة: فكما أن السهام بيد الجندي والمقاتل تعطيه الإحساس بالقوة والحماية والقدرة على مواجهة العدو، كذلك فإن الأولاد في الأسرة يعطون الأهل إحساساً بالقوة والحماية والرعاية والقدرة على مواجهة مصاعب الحياة. إن قام الأهل بتوجيه الأبناء حقاً في طريق الرّب، فإن الله سيبارك الأب والأم بالتأكيد، وسيكون الأبناء مصدر تعزية وسعادة للأهل، وخصوصاً عندما يتقدّمان في السِّن ويدخلان مرحلة الشيخوخة.

“آية 5: “طُوبَى لِلَّذِي مَلَأَ جُعْبَتَهُ مِنْهُمْ
ما أجمل هذه الطوبى. فيا لهناء وغبطة وسعادة الأسرة المسيحية الكثيرة الأولاد، خاصة في هذا الزمن الذي أصبح إنجاب طفل في الأسرة المسيحية حدث استثنائي وفريد

الله يبارك ويطوّب الأسرة كثيرة الأولاد. فكما أن المحارب يشعر بالعزة والثقة عندما تكون جعبته مليئة بالسهام، كذلك يبارك الله الأب والأم عندما ينجبون عدداً كبيراً من الأولاد والبنات. فطوبى للبيت المليء بالأطفال، خصوصاً أطفال البيت المسيحي حيث تسهر الأم والأب على تعليم الأولاد عن محبة الله وحياة التقوى والقداسة

أمثلة من الكتاب المقدّس
١- تكوين 60:24: بارك إخوة رفقة أختهم وقالوا لها أنتِ أختنا. صيري ألُوف ربوات
٢- بارك الله يعقوب بأولاده الاثني عشر (12) الذين أصبحوا أسباط إسرائيل
“٣- إرميا 6:29 يأمرنا الله قائلاً: “تزوّجوا وتكاثروا”. ويضيف قائلاً: “أكثروا ولا تقلوا

“آية 5: “لاَ يَخْزُونَ بَلْ يُكَلِّمُونَ الأَعْدَاءَ فِي الْبَابِ
عندما يلد للرجل والمرأة أولاداً وبناتاً قبل وصولهم إلى سن الشيخوخة، فإن هؤلاء البنين يصبحون حماية للأهل من الوحدة والحرمان والنبذ من المجتمع. هكذا كانت الحال في العهود القديمة، وهي كذلك في غالبية المجتمعات المعاصرة إن لم يكن كل المجتمعات المعاصرة، حتى التي يوجد بها نظام تأمين اجتماعي. فمراكز رعاية المسنين لن تعوّض أبداً عن محبة الابن لأبيه أو ابنه لأمها العجوز

يشير “الباب” هنا إلى باب المدينة، ففي المدن القديمة، كانت تتم التجارة وعقد الصفقات وحتى الأحلاف وأعمال القضاء عند باب سور المدينة، وكان الرجل الذي لديه أولاداً كثيرين يقف بقوة وثقة زائدة بسبب العزوة التي لدية.

يستطيع الأب المتقدم في السن الاعتماد بثقة على بنيه في إنجاز أعماله دون خوف من أن يتم استغلاله، فهو بالتالي لا يتعرض للخزي، ويخاطب حتى أعدائه بقوة عند باب المدينة، أي في مركز العمل والحياة

طوبى لكل بيت شعاره (أنا وبيتي نعبد الرب) يوشع 15:24 لأن كل بيت مكرس للرب يختبر بركات ومعجزات عظيمة كما اختبرت مريم ومرثا معجزة أقامة أخيهما أليعازر من الموت. و لأنه وبالمسيح فقط، الضيق يتحول الى رجاء والمرض الى شفاء و الموت الى حياة

دعونا نصلي ونطلب من الرب أن يرحم بيوتنا وأسرنا، ويحمينا من الفساد الذي يلاحقنا والخطر الذي يهددنا بشكل قوي في هذا الزمان، دعونا نطلب من الرب أن يبارك بيوتنا في العام الجديد، دعونا نكرس بيوتنا للرب و أن نطلب من الرب أن يقودنا على حسب مشيئته لا على حسب اهوائنا… باسم يسوع المسيح نرفع صلاتنا آمين

Categories
Posts

المسيح هو الماء الحي

أين وصلت في اختبارك المسيحي

من أوليات الأمور التي تحزن قلوب خدام الله الأمناء، رؤيتهم للكثيرين من أولاد وبنات الله الذين تجدّدوا منذ سنين وهم ما زالوا في حالة الطفولة الروحية، تنطبق عليهم الكلمات التي كتبها بولس إلى الإخوة في كورنثوس قائلاً

“وَأَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَمْ أَسْتَطِعْ أَنْ أُكَلِّمَكُمْ كَرُوحِيِّينَ، بَلْ كَجَسَدِيِّينَ كَأَطْفَال فِي الْمَسِيحِ، سَقَيْتُكُمْ لَبَنًا لاَ طَعَامًا، لأَنَّكُمْ لَمْ تَكُونُوا بَعْدُ تَسْتَطِيعُونَ، بَلِ الآنَ أَيْضًا لاَ تَسْتَطِيعُونَ.” (1كورنثوس 1:3-2) وكأني استمع إلى كاتب الرسالة إلى العبرانيين وهو يخاطب مثل هؤلاء بالقول: “لأَنَّكُمْ ­ إِذْ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونُوا مُعَلِّمِينَ لِسَبَبِ طُولِ الزَّمَانِ ­ تَحْتَاجُونَ أَنْ يُعَلِّمَكُمْ أَحَدٌ مَا هِيَ أَرْكَانُ بَدَاءَةِ أَقْوَالِ اللهِ، وَصِرْتُمْ مُحْتَاجِينَ إِلَى اللَّبَنِ، لاَ إِلَى طَعَامٍ قَوِيٍّ. لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَتَنَاوَلُ اللَّبَنَ هُوَ عَدِيمُ الْخِبْرَةِ فِي كَلاَمِ الْبِرِّ لأَنَّهُ طِفْلٌ، وَأَمَّا الطَّعَامُ الْقَوِيُّ فَلِلْبَالِغِينَ، الَّذِينَ بِسَبَبِ التَّمَرُّنِ قَدْ صَارَتْ لَهُمُ الْحَوَاسُّ مُدَرَّبَةً عَلَى التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ.” (عبرانيين 12:5-14)
وفي سفر حزقيال نرى صورة ناطقة لمستويات الحياة المسيحية في هذه الكلمات: “ثُمَّ أَرْجَعَنِي إِلَى مَدْخَلِ الْبَيْتِ وَإِذَا بِمِيَاهٍ تَخْرُجُ مِنْ تَحْتِ عَتَبَةِ الْبَيْتِ… وَعِنْدَ خُرُوجِ الرَّجُلِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ وَالْخَيْطُ بِيَدِهِ، قَاسَ أَلْفَ ذِرَاعٍ وَعَبَّرَنِي فِي الْمِيَاهِ، وَالْمِيَاهُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ. ثُمَّ قَاسَ أَلْفًا وَعَبَّرَنِي فِي الْمِيَاهِ، وَالْمِيَاهُ إِلَى الرُّكْبَتَيْنِ. ثُمَّ قَاسَ أَلْفًا وَعَبَّرَنِي، وَالْمِيَاهُ إِلَى الْحَقْوَيْنِ. ثُمَّ قَاسَ أَلْفًا، وَإِذَا بِنَهْرٍ لَمْ أَسْتَطِعْ عُبُورَهُ، لأَنَّ الْمِيَاهَ طَمَتْ، مِيَاهَ سِبَاحَةٍ، نَهْرٍ لاَ يُعْبَرُ.” (حزقيال 1:47-5)


ومعروف أن المياه ترمز إلى الحياة الجديدة الموهوبة لنا في المسيح

“مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ، بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ.” (يوحنا 14:4) “وَمَنْ يَعْطَشْ فَلْيَأْتِ. وَمَنْ يُرِدْ فَلْيَأْخُذْ مَاءَ حَيَاةٍ مَجَّانًا.” (رؤيا 17:22) أما النهر فيشير إلى الارتواء، والانتعاش بنعمة الله خلال رحلة الحياة المسيحية

“نَهْرٌ سَوَاقِيهِ تُفَرِّحُ مَدِينَةَ اللهِ، مَقْدَسَ مَسَاكِنِ الْعَلِيِّ.” (مزمور 4:46)

“مِنَ النَّهْرِ يَشْرَبُ فِي الطَّرِيقِ، لِذلِكَ يَرْفَعُ الرَّأْسَ.” (مزمور 7:110)


وقد صوّر لنا حزقيال في كلماته مستويات الحياة المسيحية


١- وأول مستوى في الحياة المسيحية هو مستوى الطفولة الروحية – مستوى المياه إلى الكعبين


المستوى الذي فيه نبدأ أول خطواتنا مع الرب، وفي هذا المستوى يكون المؤمن في بداية رحلة الحياة المسيحية. إنه دخل إلى مياه نعمة الله… لكن المياه إلى الكعبين تعلن أنه ما زال “طفلاً في المسيح”، ما زال يخشى الخوض في أمور الله العميقة، ويحتاج إلى “اللبن العقلي العديم الغشّ” لبن كلمة الله النقية، لكي ينمو به


ويقينًا أن غرض الله في حياة كل مؤمن أن “ينمو في النعمة” إلى أن “يشابه صورة المسيح.” وخدام الله الأمناء الأتقياء يبذلون كل جهودهم للوصول بالمؤمنين إلى صورة المسيح


“يَا أَوْلاَدِي الَّذِينَ أَتَمَخَّضُ بِكُمْ أَيْضًا إِلَى أَنْ يَتَصَوَّرَ الْمَسِيحُ فِيكُمْ.” (غلاطية 19:4) بل أن الرب في محبته وهب الكنيسة مختلف الخدام لهذا الغرض الأسمى.


“وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلاً، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ، لأَجْلِ تَكْمِيلِ الْقِدِّيسِينَ لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ، إِلَى أَنْ نَنْتَهِيَ جَمِيعُنَا إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الإِيمَانِ وَمَعْرِفَةِ ابْنِ اللهِ. إِلَى إِنْسَانٍ كَامِل. إِلَى قِيَاسِ قَامَةِ مِلْءِ الْمَسِيحِ. كَيْ لاَ نَكُونَ فِي مَا بَعْدُ أَطْفَالاً مُضْطَرِبِينَ وَمَحْمُولِينَ بِكُلِّ رِيحِ تَعْلِيمٍ، بِحِيلَةِ النَّاسِ، بِمَكْرٍ إِلَى مَكِيدَةِ الضَّلاَلِ. بَلْ صَادِقِينَ فِي الْمَحَبَّةِ، نَنْمُو فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَى ذَاكَ الَّذِي هُوَ الرَّأْسُ: الْمَسِيحُ.” (أفسس 11:4-15)


إن المؤمن الذي يعيش في مستوى “المياه إلى الكعبين” هو مؤمن مضطرب، ومحمول بكل ريح تعليم، ويسلك حسب الجسد، ويجب أن يدرك حاجته القصوى للنمو في النعمة.

٢- المستوى الثاني في الحياة المسيحية هو مستوى حياة الصلاة – مستوى المياه إلى الركبتين


وما أقلّ عدد المؤمنين الذين وصلوا إلى هذا المستوى. لقد أهمل الكثيرون حياة الصلاة، وهجروا مخادعهم، وطواهم العالم بمادياته، ومغرياته، وملاهيه، ومشاغله، ومشاكله… وبذلك فقدوا ألذّ وأجمل اختبارات الحياة المسيحية… وهو اختبار الصلاة الحية، اختبارالشركة الحقيقية مع الرب، الاختبار الذي فيه يتّصل المؤمن بإلهه مناديًا إياه بالروح القدس “يا أبا الآب.”
كتب أحد قديسي الرب هذه الكلمات: “كلما ارتفع مقياس الصلاة عندي ارتفعت حياتي الروحية. وكلما انخفض مقياس الصلاة عندي تدهورت حياتي الروحية.”


لقد كانت الصلاة هي الطابع المميّز في حياة إيليا. “كَانَ إِيلِيَّا إِنْسَانًا تَحْتَ الآلاَمِ مِثْلَنَا، وَصَلَّى صَلاَةً أَنْ لاَ تُمْطِرَ، فَلَمْ تُمْطِرْ عَلَى الأَرْضِ ثَلاَثَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ. ثُمَّ صَلَّى أَيْضًا، فَأَعْطَتِ السَّمَاءُ مَطَرًا، وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ ثَمَرَهَا.” (يعقوب 17:5-18)
كذلك كانت الصلاة هي الطابع المميّز في حياة يسوع المسيح. “وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ خَرَجَ إِلَى الْجَبَلِ لِيُصَلِّيَ. وَقَضَى اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي الصَّلاَةِ للهِ.” (لوقا 12:6)


فهل حياتك هي حياة الصلاة؟


هل تصلي لأجل أفراد أسرتك؟ لأجل الرعاة؟ لأجل نهضة سماوية تنسكب على الكنيسة المسيحية؟

هل وصلت مياه نعمة الله إلى ركبتيك؟

٣- المستوى الثالث في الحياة المسيحية هو مستوى حياة الخدمة – مستوى المياه إلى الحقوين


إن الحقوين هما موضع منطقة الخدمة، “المِنطقة” التي قال عنها ربنا يسوع: “الحق أقول لكم: إنه يتمنطق ويتكئهم ويتقدّم ويخدمهم.” (لوقا 37:12)


لقد نسي الكثيرون من أولاد وبنات الله مسؤوليتهم إزاء الخدمة… اعتقدوا أن الخدمة هي مسؤولية خدام الإنجيل وحدهم… ومن هنا فترت حياتهم، وتدهورت، وبردت محبتهم. إن نداء الرب الموجّه لكل مؤمن هو “يَا ابْنِي، اذْهَب الْيَوْمَ اعْمَلْ فِي كَرْمِي.” (متى 28:21) “تَاجِرُوا حَتَّى آتِيَ.” (لوقا 13:19) وعلى كل مؤمن أن يدرس كلمة الرب، وأن يسلّح نفسه بها، وأن يشهد لذاك الذي فداه بموته على الصليب.


عندما اكتشف الرجال البرص الطعام في محلة الآراميين “قال بعضهم لبعض: «لَسْنَا عَامِلِينَ حَسَنًا. هذَا الْيَوْمُ هُوَ يَوْمُ بِشَارَةٍ وَنَحْنُ سَاكِتُونَ…]” (2ملوك 9:7) فليت كل مؤمن يستيقظ حاملاً المسؤولية، بالشهادة، وبالعطاء السخي، وبالحياة المسيحية اللامعة.


هل وصلت مياه نعمة الله في حياتك إلى الحقوين؟



4- المستوى الرابع في الحياة هو مستوى حياة الامتلاء من الروح القدس – مستوى نهر السباحة الذي لا يُعبر:


هذا هو المستوى الذي يريده الرب لكل مؤمن: “امتلئوا بالروح.” (أفسس 18:5) وعندما يصل المؤمن إلى هذا المستوى، ويستمتع بحياة الملء بالروح القدس، فعندئذ يظهر ثمر الروح في حياته “أشجار كثيرة جدًا.” (حزقيال 7:47) بل أكثر من ذلك يصبح رائحة حياة لحياة الكثيرين من الذين يتصلون به “وَيَكُونُ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ حَيَّةٍ تَدِبُّ حَيْثُمَا يَأْتِي النَّهْرَانِ تَحْيَا.” (حزقيال 9:47)
أما في علاقته بالمؤمنين فالحال يتغيّر تمامًا، فبدلاً من الحسد، والخصام، والانشقاق، وهي من صفات المؤمنين “الأطفال”… الجسديين نجد صورة أخرى يصفها بولس بالكلمات:


“مُكَلِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ. شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي اسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، ِللهِ وَالآبِ. خَاضِعِينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ فِي خَوْفِ اللهِ.” (أفسس 19:5-21) فإلى أين وصلت في اختبارك المسيحي؟


هل أنت في مستوى الطفولة الروحية؟ كدت أقول الأميّة الروحية؟


أو أنت في مستوى حياة الصلاة؟


أو أنت في مستوى حياة الخدمة؟


أم دخلت إلى نهر السباحة الذي لا يُعبر؟ نهر الامتلاء من الروح القدس؟


سلْ نفسك اليوم وافحص حياتك في محضر الله! ولا تكتفي بأقلّ من حياة الملء… حياة الري… حياة الفيضان

Categories
Posts

الميلاد المجيد و المعاني الروحية

ماهو الميلاد المجيد

عندما نفكر بعيد الميلاد المجيد، يتراءى لأذهاننا أشجار عيد الميلاد والأضواء الساطعة وتبادل الهدايا. لكن الكثيرين ممن يعيشون في الشرق الأوسط لا يعرفون معنى آخر لعيد الميلاد

يتعلق عيد الميلاد المجيد بميلاد يسوع المسيح، يقول يوحنا 3: 16-17 “لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد ، حتى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية

لأن الله لم يرسل ابنه إلى العالم ليدين العالم، ولكن لإنقاذ العالم من خلاله “. المعنى الحقيقي لعيد الميلاد هو الاحتفال بفعل الحب المذهل هذا

تأملات في قصة الميلاد من الكتاب المقدس؟

 : ١- بساطة الإيمان و شراسة الإنسان


كان هيرودس إنسانًا شريرًا وقتّالًا. لقد قَتلَ أخا زوجته وزوجته بالرغم من أنه كان يُحبها، وبعد ذلك بدأ يقضي على أولاده واحدًا بعد الآخر ثم والدته عندما جاء إليهِ المجوس لبس قناع الخداع، وتكلم معهم ليتحقّق مكان وزمان النجم، وأخبرهم بأنه يُريد أن يُكرم هذا الصبي، ثم أرسل القتلة المُجرمين لكي يقضوا على الأولاد في بيت لحم من ابن سنتين فما دون بحسب الزمان الذي تحقّقه من المجوس هذا يُصوّر الشراسة في الإنسان!  ونفس الطبيعة الموجودة في هيرودس موجودة في كلٍّ مِنّا

يقول الكتاب المقدس عن قلب الإنسان: “اَلْقَلْبُ أَخْدَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ نَجِيسٌ، مَنْ يَعْرِفُهُ؟” (إرميا 9:17) بعض الناس عندهم مرض القلب ولا يدرون، وذلك لعدم وجود عوارض وعلامات. ونحن أحيانًا كثيرة نَظهر للناس بمظهر حسن من الخارج وقلوبنا في الداخل فيها نجاسة وخداع وأفكار شريرة. لذلك يقول الرب يسوع: “لأَنْ مِنَ الْقَلْب تَخْرُجُ أَفْكَارٌ شِرِّيرَةٌ: قَتْلٌ، زِنىً، فِسْقٌ، سِرْقَةٌ، شَهَادَةُ زُورٍ، تَجْدِيفٌ.” (متى 19:15) كان الخداع موجودًا أيام هيرودس وموجود أيضًا اليوم. إنه واقع الإنسان المبني على الصورة المُصطنعة: من خارج تديُّن ومظاهر جميلة ومن داخل “خبث ومكر ورياء وحسد وكل مذمة.” (1بطرس 1:2) إنه واقع مُخيف يقود إلى تصرفات مُرائية

لكن هناك صورة جميلة نراها في ذلك “الطفل الصغير” حيث نرى صورة الله الطاهر الذي جاء إلى هذا العالم لكي يُعطيك حياة جديدة بواسطة غُسل الميلاد الثاني ويَرُدّك إلى حياة النقاوة حيثُ لا يوجد مكر وخداع بل محبة وغفران. قال الرب يسوع: “اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ لَمْ تَرْجِعُوا وَتَصِيرُوا مِثْلَ الأَوْلاَدِ فَلَنْ تَدْخُلُوا مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ.” (متى 3:18) هذه هي الولادة الجديدة من روح الله، فلا تُحاول أن تُحَسّن نفسك أو تُغيِّر طبيعتك. أنتَ تحتاج إلى ولادة جديدة من فوق من روح المسيح؛ ذلك الروح الذي أتى بالطفل إلى هذا العالم. لذا يقول لك: “وهذه لكم العلامة: تجدون طفلًا مُقمّطًا مُضجعًا في مذود.” (لوقا 12:2) وهذه علامة حضور المسيح في حياتك بأن تَرجع حياتك مثل الطفل “فَاطْرَحُوا كُلَّ خُبْثٍ وَكُلَّ مَكْرٍ وَالرِّيَاءَ وَالْحَسَدَ وَكُلَّ مَذَمَّةٍ، وَكَأَطْفَال مَوْلُودِينَ الآنَ، اشْتَهُوا اللَّبَنَ الْعَقْلِيَّ الْعَدِيمَ الْغِشِّ لِكَيْ تَنْمُوا بِه.ِ” (1بطرس 1:2) هل تشتهي كلمة الله التي هي “روح وحياة” لتَدخل قلبك وتُغذّي نفسك؟ الرب يَدعوك لتعيش بساطة الإيمان والمحبة الحقيقية؛ ليست بساطة العقل بل بساطة القلب التي هي القداسة.

ما أحلى المؤمن الذي يُحب ويَغفر ويُسامح بسرعة وعنده طهارة الأطفال التي هي الحياة الجديدة التي يُقدّمها لكَ المسيح

ليتنا نرجع إلى بساطة الإيمان ما أحلى الرب وهو يحكي عن أشياء نحن اليوم نُعقّدها كثيرًا مثل موضوع الامتلاء بالروح القدس. يقول الرب يسوع: “إِنْ عَطِشَ أَحَدٌ فَلْيُقْبِلْ إِلَيَّ وَيَشْرَبْ. مَنْ آمَنَ بِي، كَمَا قَالَ الْكِتَابُ، تَجْرِي مِنْ بَطْنِهِ أَنْهَارُ مَاءٍ حَيٍّ قَالَ هذَا عَنِ الرُّوحِ الَّذِي كَانَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِ مُزْمِعِينَ أَنْ يَقْبَلُوهُ.” (يوحنا 37:7-39) ما هو الامتلاء بالروح القدس؟ هو بأن يكون عندك جوع وعطش لشخصهِ حتى يُفرّغك من ذاتك ويملأك من روحهِ القدوس التعقيدات تأتي من الطبيعة القديمة الساقطة، لذلك يقول الكتاب: “أَنْ تَخْلَعُوا مِنْ جِهَةِ التَّصَرُّفِ السَّابِقِ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ الْفَاسِدَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ الْغُرُورِ، وَتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ، وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ.” (أفسس 22:4-24) الرب يُريد أن يُعطيك هذه الطبيعة الجديدة

:٢- رب المجد ليس له مكان


“فَوَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ وَقَمَّطَتْهُ وَأَضْجَعَتْهُ فِي الْمِذْوَدِ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا مَوْضِعٌ فِي الْمَنْزِلِ.” (لوقا 7:2) تَخيّل صاحب الفندق وهو يُغلق الباب أمام ربّ المجد، لأن ليس لهما مكان في المنزل! وهذه ليست صدفة، بل في كل حياتهِ لم يكن له أين يسند رأسه. المكان الوحيد الذي أسند فيهِ رأسه هو الصليب الذي عن طريقهِ أعطانا الخلاص، ودخل القبر حتى يُفرغه من قوة الموت. ما أحلى الرب! لم يكن له مكان في الأرض لكي يكون لكَ أنتَ مكان في الأبدية في ملكوته، فلا تحرم نفسك من عطية الله والوجود في ملكوته، لأنكَ غالٍ على قلب الرب وهو أعدَّ لكَ المكان ويدعوك إليهِ: “هنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي.” (رؤيا 20:3) إنه يَقرع على باب قلبك. هل هناك مكان في قلبك حتى يتربّع الرب على عرشه، وتختبر قوة خلاصهِ في الحياة الجديدة، ويكون سيّدًا ومُخَلّصًا لحياتك؟

:٣- ملء المسيح هو المحبة والحنان


قصة المسيح بها معانٍ كثيرة للمحبة والحنان. لقد أحبنا بمحبة عجيبة ونحن لا نستحق. تأمل معي كيف تعامل الرب مع يهوذا وهو يعلَم أنه سارق ويُحبّ المال والرب عالمٌ بكل شيء. كيف سلَّمه الصندوق؟! وكيف اختاره ليكون من التلاميذ؟! كيف غسل رجلَي ذلك الشخص الدنيء الذي سيدخله الشيطان فيما بعد ويُسلّمه؟! لكن الرب أراد أن يُشجعه ويُعطيه الفرصة حتى يتوب. ما أطيب الرب! كذلك ملخس العبد الذي حَضرَ مع الجموع بسيوف وعُصي ليقبضوا على الرب يسوع. من وجهة نظرنا كشرقيين أنه كان على بطرس أن يقطع رأسه وليس أذنه فقط، ولكن الرب يسوع شفى أذنه وردّها إلى مكانها. ما أطيبك يا رب!

ليتنا في هذه الأيام نتعلّم هذه المحبة الإلهية المُضحّية التي تغفر وتُحبّ. “إِنْ كَانَتْ لِي نُبُوَّةٌ، وَأَعْلَمُ جَمِيعَ الأَسْرَارِ وَكُلَّ عِلْمٍ، وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ الإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ الْجِبَالَ، وَلكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَسْتُ شَيْئًا. الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ، وَلاَ تَنْتَفِخُ، وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْء.” (1كورنثوس 2:13 و4 و7) الرب قادر أن يَسكُب هذه المحبة في قلوبنا بالروح القدس المُعطى لنا. ” طَهِّرُوا نُفُوسَكُمْ فِي طَاعَةِ الْحَقِّ بِالرُّوحِ لِلْمَحَبَّةِ الأَخَوِيَّةِ الْعَدِيمَةِ الرِّيَاءِ، فَأَحِبُّوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا مِنْ قَلْبٍ طَاهِرٍ بِشِدَّةٍ.” (1بطرس 22:1)

يجب علينا أن نُحبّ النفوس خاصة الإخوة، وجميع الناس التي يضعها الرب في طريقنا حتى نجذب الخطاة إلى الرب باللطف والمحبة ويكون لنا تأثير على حياتهم بالمسيح، لنحوِّلهم إلى الطريق الأفضل وهو طريق المحبة المُقدّسة والقداسة المُحِبَّة


يبدأ عيد الميلاد ويستمرّ حين يُولد المسيح في حياتك، وحين تَجذب الآخرين للمسيح، وتُعزي مُنكسري القلوب، وتُطعم الجياع، وتَصنع سلامًا بين الإخوة. إننا في أشد الحاجة إلى محبة المسيح، إنها حياة المسيح فينا

:٤- الفرح وسط الآلام والأحزان


عندما نُفكّر في الآلام التي مرّ بها كل من مريم ويوسف، وخاصة مريم من وقت أن أخبرها الملاك بهذا الخبر العظيم كان طريق آلام بالنسبة لها. تأمل معي وهي بنت عمرها حوالي 17 سنة تحبل بدون زواج، وتُعيَّر من شعبها طوال حياتها، وفي وقت ولادة المسيح لم تجد لها مكانًا، فتمّت ولادته في مذود. ثم هربت إلى مصر من وجه هيرودس، وعاشت في الغربة وفي فقر! وبالرغم من هذا لا نراها تسأل الله أن يُعطيها حياة أسهل، أو أن تعيش في غنى؛ طريقها كان كله آلامًا انتهى بموت الابن المبارك على الصليب أمام عينيها! لكن ما أعظم ترنيمتها: “تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ، وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللهِ مُخَلِّصِي.” (لوقا 46:1) إنها فعلًا إنسانة مولودة من الله، اختبرت الخلاص الحقيقي، وسكن فيها الروح القدس. لقد وُلدَ المسيح في قلبها قبل أن يُوجد في أحشائها، وأعطاها ترنيمة الفرح في كل ظروف الآلام. ” فَلَمَّا رَأَوْا النَّجْمَ فَرِحُوا فَرَحًا عَظِيمًا جِدًّا.” (متى 10:2) “فَقَالَ لَهُمُ الْمَلاَكُ: لاَ تَخَافُوا! فَهَا أَنَا أُبَشِّرُكُمْ بِفَرَحٍ عَظِيمٍ يَكُونُ لِجَمِيعِ الشَّعْبِ.” (لوقا 10:2)

فَرَحُنا يختلف عن فرح العالم. إنه لا يقوم على الظروف حولنا. وسلامنا لا يعتمد على السلام الخارجي الاجتماعي والأمني، بل بفضل عمل شخص الرب يسوع المسيح الذي هو رئيس السلام وهو الذي يُعطي الفرح الحقيقي. “كَلَّمْتُكُمْ بِهذَا لِكَيْ يَثْبُتَ فَرَحِي فِيكُمْ وَيُكْمَلَ فَرَحُكُمْ.” (يوحنا 11:15) إنها رسالة الفرح لي ولكَ في هذه الأيام

الرب يَدعوك إليهِ الآن في وسط أحزانك وآلامك وضيقك. إنه يُريد أن يُحوّل حُزنك إلى فرح ولوعتك إلى بهجة

لنصلي معاً
يا رب سامحني على الماضي. طَهّر قلبي وأعطني قلبًا نقيًا كقلب الأطفال. أُسلمك كل حياتي. تَربّع على عرش حياتي كسيِّدي ومُخلِّصي واجعلني من أولادك… ذاك الإنسان الذي تُريدني أن أكونه لكي أُولد من جديد وتتحوّل حياتي إلى بهجة العيد وغدٍ مجيد. آمين